من يبقى؟

إن المتأمل في الوجود الإنساني لَيجد أنه لم تزل الأرحام تقذف بالمزيد من النوع الإنساني، وأن هذا النوع في تكاثر مستمر، ويجب أن يحافظ على بقائه من غير شك. لكن في هذا العدد الكبير الذي عاش ومر من فوق هذه البسيطة، لم يكن هناك إلا قلة خلدها التاريخ؛ قلة بالمقارنة مع الأصل الكثير. إنها تلك القلة النافعة، المؤثرة، المفيدة لبني جنسها في مختلف الميادين. وهذا بالتحديد ما يحدُث معنا في تاريخنا الفردي الشخصي. فكَم عرفنا من أشخاص منذ ولوجنا للتعليم الأولي إلى أن تخرّجنا من التعليم العالي إلى أن صرنا آباء، عدد كبير لا يحصى من الناس التقيناهم، لكن الذين نتذكرهم هم قلة قليلة، ممن لهم أثرٌ في حياتنا، بغض النظر عن نوعه ودرجته.

منذ أيام، مات شخص يكبرني بما يقرب من ثلاثين سنة، كان صديقا لوالدي، وزوجته كانت لها علاقة صداقة طويلة مع والدتي، منذ أيام دراستهما للطب. كنا نزورهم بانتظام، إلى أن انقطعت العلاقات بين العائلتين، بعدئذ لأسباب لا أعرفها. ولم أعد أتذكر شيئا عن تلك الزيارات، غير ذلك الدرج الحلزوني الذي يوصل إلى غرفة أطفالهم. كنتُ أحبُّ أن أصعد في هذا الدرج الغريب، مع إحساس الخوف من السقوط الذي كان يتملّكني قبل الوصول إلى الطابق الأعلى بطريقة مختلفة عما عهدت في منزلنا. أحاول أن أتذكر بعض كلمات هذا الرجل أو نصائحه لكن دون جدوى. لم يكن يتكلم كثيرا، كان محبا للصمت، لم أسمع منه نصيحة أو حكمة أو حكاية لتجربة قط، أو على الأقل لم يثرني شيء من ذلك بحيث يبقى راسخا في ذهني. كانت علاقتنا محدودة إلى أبعد تقدير، كنا نتبادل التحية ببرود بالغ، ولم أقض معه وقتا طويلا، سوى تلك اللحظات اليسيرة التي تتطلبها الإجابة عن تلك الأسئلة المكررة بشكل ممل عن الأحوال والشؤون الدراسية وما أشبهها، والتي دائما ما يكون الجواب عنها واحدا لكل الناس وفي كل الحالات: “كل شيء على ما يرام”. نعم، انتقل الرجل إلى جوار ربه، عليه سحائب الرحمة والعفران.
لقد تلقيْتُ خبر وفاته بهدوء كبير، لم يتملّكني حزن، ولا أصابني ذهول من صدمة رحيله. لكن ذلك دفعني لاحقا لأتساءل مع نفسي، في محاولة لا تخلو من لومٍ للذات: لماذا لم أحزن على موته؟ ولم يُشكل خبر موته عندي حدثا يسترعي الاهتمام مني؟
وللإجابة عن هذا السؤال، حاولتُ طرح سؤال آخر: ماذا لو تلقيتُ نبأ وفاة بعض الأشخاص الذين لم ألتقهم قط في حياتي، لكن كان لهم أثر وحضور فاعل في حياتي، وفي تشكل وعيي حول الكثير من القضايا، من أمثال الشاب أحمد الشقيري والمحلل النفسي والمفكر جوردن بيترسون أو القارئ صاحب الصوت الرخيم سعود الشريم أو الصحفي روبرت فيسك؟

لم أتردد في إقناعي بأن الأمر كان سيكون مختلفا تماما، فهؤلاء أثروا في حياتي بأفكارهم، وإلهامهم، وأصواتهم، وتحليلاتهم وفلسفات البعض منهم. إن موتهم بالنسبة لي سيكون انفصالا عن منبع لطالما وَرِدتُ منه، ولطالما أقبلتُ عليه إقبال العطشان، الذي طال به الأمد في السفر في بيداء قاحلة، على منبع الماء. إن موتهم يعني انقطاعَ زادٍ كان ممتدا لوقت طويل، وانقطاعا لأثر طيب كانوا يتركونه كلما قرأت لواحد منهم أو شاهدته أو استمعتُ إليه. إنها نهاية لطاقة إيجابية مرسلة، لطالما دفعتني قدما في حياتي.

وكانت النتيجة التي تقررت عندي أن العبرة الحقيقية ليست بما تشهده العين، من أشياء وأشخاص، إنما العبرة بما يترك أثرا طيبا في النفس، وبما يبقى بعد ذهاب الجميع، وبعد فراق الأجسام. مكانة الناس في قلوبنا بمدى التوافق النفسي، وبما يُحدثونه في شخصياتنا من أثر، والعكس بالعكس. إن فراق الناس تجربة إنسانية محتومة، لكن طعمها يختلف باختلاف الأشخاص، من الناس من تحزن لفراقه، ومنهم مَن لا تتحرك مشاعرك تجاههم، وإن رحلوا. فقط تدعو لهم بالرحمة والمغفرة، وربما تنساهم في اليوم الموالي.

وقد دفعني هذا الموقف إلى أن أعود بذاكرتي إلى أيام صباي، وأن أتذكر بعضا من أصدقاء والدي، أو صديقات والدتي، ممن كان لوجوهم قيمة مضافة ونوعية في مجريات حياتي، إن بكلمة أو نصيحة أو هدية أو موقف أو غير ذلك. ومفاجأتي كانت أنه لم يحضرني من ذلك أشياء كثيرة، بالأحرى وجدتُ نوعا من التقارب العجيب بين كل هؤلاء الذين كنا نتعامل معهم، وتشابها شديدا في طريقة التعامل، وفي طبيعة الأسئلة التي كانوا يطرحونها علي، من قبيل: “أين تدرس”؟ و”كم تبلغ من العمر”؟ “ما طموحاتك حين تكبر”؟ “يا إلهي؛ إنك قد كبِرتَ بسرعة؟! “يا سبحان الله! إن بينك وبين أبيك تشابها كبيرا في الملامح”! أو “إن الأطفال في فناء البيت، اذهب إذا أردت اللعب معهم”.

كانت تلك أهم الأسئلة والعبارات التي تتكرر مِن هؤلاء الذين كنا نزورهم أو يزوروننا. وكما تلاحظ، أيها القارئ الكريم، فإن هذه الأسئلة كلها لا تخرج عن خانة الأسئلة المملة، ولا يوجد في العالم أجمع طفلٌ يَسعدُ بالإجابة عن هذا النوع من الأسئلة! بل هي، على التحقيق، نوع من التطفل على حياة الأبرياء من الأطفال، ووضعهم في مواقف محرجة قد لا تُريحهم الإجابة عنها.
ومن الأشياء التي استرعت اهتمامي، أن علاقة عائلتي بعدد كبير من العائلات لم تكن علاقة منتظمة ومستقرة على وتيرة معينة. بل كانت مثل الإيمان: تزيد وتنقص، تصبح حميمةً ثم تفتُر، وكانت متقطعة ومنقسمة إلى فترات؛ كل فترة إلا وتعرف زيارات متكررة لعائلة معينة، ثم تنقطع العلاقة معها أو تفتُر، لتحل محلها عائلة أخرى، تنشُط علاقتنا بها لحينٍ. وكان القانون الذي يضبط هذا الأمر أنه كلما غابت أو رحلت عائلةٌ، لأي سبب كان، ظهرت عائلة جديدة. ولم يَكن هذا يُشكل مشكلة كبيرة بالنسبة لعائلتي. كنا نُضمر بشكل ما أن العلاقات الإنسانية هي علاقات مؤقتة، تتأثر بالظروف المحيطة، ولا يُشترط فيها الأبدية. بل إنما يُشترط فيها حفظ الود والمسافات والتقدير والاحترام اللازمين.

ومع أن والدي كان يتعاملان مع هذا الأمر بمنتهى المرونة، فإني بخلافهم كنتُ أحتاج وقتاً أطول لكي أنسجم، لكي أدرك، ولكي أتقبل الوافدين الجدد. ولذلك أظل وقتاً طويلا ملتزما للصمت، مكتفيا بالملاحظة، حتى أدرك كيفية تفكير هؤلاء الناس الجدد، وكيف يتصرفون مع أبنائهم، وكيف يتفاعلون في حواراتهم مع عائلتي. بعد ذلك، أشعر بنوع من الأمان تجاههم، ثم أشرع في الانفتاح على أبنائهم واللعب معهم واكتشاف ميولاتهم وهواياتهم. ومن البديهي أن يكون لشخصية الأبوين أثر على تفكير أبنائهم في صغرهم، ولذلك لا يختلف هؤلاء الأطفال عن آبائهم غالبا إلا فيما يعود إلى عامل السن والتجارب في الحياة.

ولأجل التشابه الكبير بين كل هؤلاء، فإن ذاكرتي لا تكاد تحفظ عنهم شيئا، يستدعي التذكّر. لكن بعيداً عن كل هؤلاء المتشابهين، توجد قلة مختلفة، كانت لهم بصمات إيجابية في تكوين شخصيتي، وحفظتُ لهم ذكريات مميزة، وكان لوجودهم بين أفراد عائلتي، ولزياراتهم لنا أثرٌ وإضافة متميزة في حياتي.

ومن هؤلاء، بل وفي مقدمتهم، سي محمد إبوتن والد عمر وهو أخي من الرضاعة: الرجل البشوش، وصاحب النكت اللطيفة والأحاديث الطريفة. كان صديقا مقربا لوالدي، وكان رجلا محبا للحياة. ترسخت علاقتي به كونُه يوصلنا إلى المدرسة تقريبا كل يوم، وكان في معظم الأحيان يُسمِعنا الموسيقى ونحن عائدون في جو يسوده المرح والبهجة. كان متابعا وفيا للرياضة، وقد تعلمتُ على يديه أسماء الكثير من لاعبي المنتخبات اللاتينية، كان لاتينيَّ الهوى، وكان يُخصص لنا من وقته مددا كبيرة يدربنا ويعلمنا كرة القدم. وكم شاهدنا سويا مبارايات كأس العالم. كما أنني أحتفظ له بذكرى خاصة في حياتي، وهو أنه علمني، لأول مرة، كيف أقوم بتشغيل حاسوبي الشخصي، الذي كان حينها نسخة قديمة من IBM. كان هذا الرجل رائعا، ولا يزال. كما أنني لا زلتُ أكلمه في الهاتف إلى اليوم، وأكلم ابنه كذلك بين فينة وأخرى، وإن شط بنا المزار، وتباعدت الديار؛ إذ يَعيشُ غريباً في أستراليا.

ومن هؤلاء القلة أيضا، الذين بقيت آثارهم في حياتي، السيد امحمد حسين وزوجته ناهد. وهما زوجان شكلا عائلة لبنانية أصيلة، ربطتْنا بهم علاقة صداقة ومحبة خالصة. كان امحمد رجلا طيبا جدا، وفي كل مرة ألتقيه أشعر وكأنني ابنه، وهو أبي. كنتُ أرتاحُ وأميل إلى رفقته، وأسعد بزيارته. وكانت زوجته امرأة أصيلة، بالغة الكرم والنبل. وقد سَعدت بزيارتهم في إحدى المرات في لبنان، وبواسطتهم تعرفت على هذا البلد وعلى تقاليده، وثقافة شعبه، وتقرّبت أكثر من لهجته. وقد كان هذان الزوجان حريصين علي، وعلى أن أكون مجدا في دراستي، يفرحان لأفراحنا، ويحزنان لأحزاننا. أتذكر أنني كنتُ أشعر بحرج شديد حين لا أحصل على معدل جيد، ذلك أنني أعرف أنهما سيسألانني عن نتيجتي. كنت أسعد بالحوار معهما، إذ لم يسخرا من تلعثمي قط، ولو على سبيل المزاح. بل كانا صبورين عليّ، وأنا حينها ثقيل جدا في الكلام ولا أكاد أُبِين. يصغيان جيدا، فإذا انتهيتُ من كلامي، شرعا في الجواب وكأنني حدثتهما بلسان مبين. ولا شك أن لهذه المهارة وحدها، أعني مهارة الاستماع الجيد، بالغَ الأثر عليّ، وخاصة في ذلك الوقت الذي كنتُ أعاني فيه من التأتأة، والخوف من الحديث إلى الناس، مخافة إثارة سخريتهما.

ومن العائلات، أيضا، التي ترسخت في ذاكرتي ذكريات ومواقف عنهم عائلة بندالي، وخاصة الثنائي الزوج بندالي وزوجته. كان بندالي هذا رجلا كثير الضحك، سريع الغضب، وقليل الكلام. ولا زلتُ أتذكر أنه ما كان يُصلي في الأول، وظل والدي يحاول جره للصلاة لمدة من الزمن. وقد نجح في إحدى المرات فصاحبنا إلى صلاة التراويح. ولما وصلنا إلى المسجد، ذهبتُ إلى حائط في مقابلته وشرعتُ أراقبه من بعيد: كيف سيُقابل الله لأول مرة.كان يُقال لي حينها: إننا نقابل الله في الصلاة. وكنتُ أتصور ذلك تصورا حسيا، لم تكن لي مقدرة على التصورات المجردة. راقبت كل حركاته وسكناته طوال الصلاة، وأزعُم أنني الوحيد الذي شاهدتُ أوبتَـه، وشاهدتُ صدقَ رجوعه إلى مولاه، وشاهدت انكساره بين يديه، وتذللـه في حضرة جلاله، وشاهدت دمعاته تسيل على خديه وهو يستمع إلى القرآن الكريم. كان آخر من يقوم من سجوده، وآخر من يقوم لمواصلة الصلاة بعد كل تسليم.

في ذلك الوقت، كنتُ أظن أننا نقابل الله في صلاتنا فقط، كان تصوري للدين ضيقا، وربما ساهم فيه عدم قدرة الكبار على الإفهام، وربما سوء فهمهم أيضا؛ لأن الله حاضر معنا في كل مكان، ونلقاه في كل أمور حياتنا المختلفة. نقابله في الإحسان إلى جيراننا، وفي تنشئة أبنائنا تنشئة سليمة، وفي احترامنا لأصدقائنا، وفي إحساننا في أعمالنا، نشاهد في عملية جراحية، ونشاهده في بديع صنعه في الإنسان.

لا أدري ماذا كان تصوُّر السيد بندالي عن الله تعالى. ربما لم تكن دموعه تلك دموع ندم كما ظننتُ. فما المانع أن تكون دموعَ حبيب يعود إلى حبيبه بعد طول فراق، دموع المطمئن بين رحلة شاكّ طويلة، دموع من عثر على وسيلة أفضل للحديث إلى من كان على تواصل معه بطرق مختلفة في الحياة؟

لم يكن السيد بندالي إنسانا عاميا، كان رجلا مثقفا، شديد العناية بما يقرأ، متتبعا جيدا للبرامج الوثائقية. ولم يكن كثير الكلام، فإن تكلم لا بد أن يُفيدك بمعلومة لا تعرفها. ولم تكن تفارقه ضحكته. أحببته لأجل ذلك، لم يكن يكلفني الإجابة كثيرا. وأما زوجته فكانت مثقفة فرانكفونية، تتكلم بلغة فرنسية أنيقة، تُضاهي فرنسية سيدات باريس. وحيث إنني حينها لم أكن أتقن هذه اللغة، فلم أكن أعيرها من الاهتمام ما يكفي. لكنّ هذه السيدةَ كان لها الفضل الكبير في مشاركتي في الكثير من رحلات الأسفار التي تنظمها وزارة الشبيبة والرياضة؛ كانت تُعْلمني بكل المستجدات بهذا الخصوص، وترشدني إلى ما يجب علي القيام به لكي أُقبل، وبفضل توجيهاتها شاركت في مخيمات كثيرة في المغرب وخارجه. كما أنني كنتُ أستعين بها لقضاء بعض الأغراض الإدارية، كانت علاقتي بالإدارة غير جيدة، فكنت في كل مرة أعود إليها للاستشارة. توفي زوجها، لكني بقيت على تواصل معها، وأزورها من حين لآخر، خاصة في سنوات دراستي بكلية الطب. وكانت تنصحني دوما بإجادة اللغة الفرنسية، كانت عاشقة مخلصة لهذه اللغة. وكانت تزودني ببعض الكتب أحيانا، وتصر عليّ أن أكمل دراستي بفرنسا. لم نكن دائما على وفاق في آرائنا، وبالضبط فيما يتعلق بالفرنسية والسفر إلى فرنسا لمتابعة الدراسة، لكني مع ذلك أحب التردد إلى منزلها، والحديث إليها فيما نتفق فيه، كما أنها لا تبخل علي بنصائحها وخبراتها الطويلة في الحياة.

ومن الأشخاص، أيضا، الذين كان لهم الأثر الحميد في حياتي، وترسخت لهم ذكريات ومواقف في ذاكرتي عمي أحمد وعائلته أيضا. كان أخاً لوالدي من أبيه، وأجد من الواجب علي أن أقول: إنه كان أفضل عمٍّ لي على الإطلاق. لا زلت أتذكر يوم وفاته، وكان حينها يستعد للذهاب إلى مكة حاجّـاً. كان دوما في اجتماعاتنا العائلية يحكي لنا عن حياته الدراسية في كل من مصر والعراق، والمواقف التي تعرض لها وهو غريب عن بلده، ويحدثنا عن تكوينه العسكري وعن الفروسية التي يُعتبر أحد أبطالها في المغرب. كان قارئا مجيدا للقرآن الكريم، وحافظا للشعر العربي، مكثرا من القراءة بالعربية في ميادين علمية متعددة. وشغل منصب كولونيل في الحرس الملكي، ولأجله أصرّ علي، في أكثر من مرة، للولوج إلى الطب العسكري.

إن العامل المشترك بين كل هؤلاء الذين ذكرتهم هو صفاء القلب، ونبل المشاعر، وطيب الخلق، وحب الناس. لا تجدهم يميزون بين الناس في تعاملهم، كانوا يعاملون خدمهم بمنتهى النبل واللياقة كما يعاملون غيرهم، وكانوا ودودين جدا مع أفراد عائلتهم. وتجد الملتقيات العائلية التي يحضرونها كثيرة الحيوية والضحك والأجواء الإيجابية. كان وجود شخص مثل سي امحمد وحده محفزا قويا للحضور إلى تلك اللقاءات العائلية التي لا يحبها الشباب في مقتبل العمر عادة. معلوم أن شباب هذا العصر الذي لم يعد يرى للعائلة من أهمية تُذكَر، شباب ميّال إلى الفردانية وإنشاء الأسر النووية المنقطعة الروابط مع أفراد عائلتها. وشعارهم في ذلك: “فَـ كَمْ من عمٍّ أتاك الهمُّ منه، وكَم من خالٍ من الخيرات خالٍ”.

وبعد؛
فإن الذي حملني على كتابة هذا المقال، عن هذه العائلات الأربع، هو موتُ شخصٍ حاولتُ أن أتأثر بموته، فلم يتحرك في كياني شيء. وقبله بشهرين تقريبا، استيقظت مذعورا من نبأ وفاة أحد الشباب المغاربة الرائدين في مجال العمل الخيري، رجل نبيل وخلوق بشهادة كل أصدقائه ومعارفه، هو الشاب هشام بوعناني. كان فقده مؤلما لي، وصادف فقدُه أنه كان عاشرَ شخص من معارفي يموت قبل بلوغ الخمسين من عمره، في فترات متقاربة. كان ذلك شديداً عليّ، شباب في مثل سني، جالستُهم في مناسبات لا تُحصى، أستيقظ على نبأ وفاتهم فجأة من دون سابق إنذار. حقا، لقد كان ذلك مؤلما للغاية. وهو في الوقت ذاته موقف يدعو كل شخصٍ، ممَّن غره الأمل، إلى مراجعة ذاته، وتذكُّرِ يوم يأتي أجله. فكَم من واحد منا يعتقد أنه سيعيش حتى يبلغ من الكبر عتيا، وسيكون محاطا بالأبناء والأحفاد وأحفاد الأبناء، وربما أحفاد الأحفاد، وأما ضحايا الموت المفاجئ فهم الآخرون. ونتوهم أن ذلك سوف يُنجينا منها لو قدِّر لنا أن نكون ممن تباغتهم، والحقيقة التي نعرفها جميعا خلافُ ذلك، فلكلٍّ أجلُه، {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}. وقد أحسن الشافعي إذ قال:

فــكم مـن صحيح مات مـــن غير عـلــة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر.
وكم من فتى أمـسى وأصبح ضاحـــكا *** وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري.