المماليك الافتراضية أو كيف تصبح هرّافاً بمائة لايك

إن المتتبع لصناعة المحتوى على اليوتيوب المغربي أو على مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب سيلاحظ ازديادا ملموسا في عدد صنّاع المحتوى المغاربة في الآونة الأخيرة. وبغض النظر عن ملاحظاتنا على نوعية هذا المحتوى والغايات منه، والحاجة إلى تقنينه وتخليقه حتى لا يتحول إلى معضلة جديدة ستتطلب منا وقتا وجهدا كبيرين لمعالجتها مستقبلا، فإننا في هذا المقال نريد التنبيه فقط إلى ظاهرة غريبة سيلحظها الكثير من المتتبعين، وهي ظاهرة “التحول النوعي للوهم لدى بعض صناع المحتوى على الأنترنت”. ففي الوقت الذي شكلت فيه “صناعة المحتوى على الأنترنت” هدية ثمينة لبعض الشباب من أجل تحقيق ذواتهم وتحسين مستواياتهم المعيشية، ظهرت بالموازاة مع ذلك ظاهرة “العلماء الموسوعيين” الذين يفهمون في كل شيء، ومؤهلون لأن يكون لهم رأي في كل شيء، حتى صار العثور على رأي متخصص في موضوع جدلي ما شبه متعذر، لكثرة الخائضين والناعقين والمتطفلين والهرّافين.

وغايتي في هذا المقال أن أكشف لك أيها القارئ الكريم عن أسرار هؤلاء الهرّافين، أو: كيف يصبح المرء هرّافا بمائة لايْك؟ ومعاني الهرْف كما تذكر المعاجم ترجع إلى:

  1. تجاوُز القدْر؛
  2. وتعجُّل الثمرة؛
  3. ومدح الرجل بغير ما فيه؛
  4. والمعنى الأخير هو الهذيان والهدر.

وهذا الأخير هو المعنى المقصود هنا، وإن كانت جميع المعاني السابقة تصلح لكي تنطبق على الفئة التي تشكل موضوع هذا المقال؛ فهم يتجاوزون قدرهم لأنهم يتحدثون فيما لا يحسنون؛ ويتعجلون الثمرة لأنهم يريدون أن يكونوا في مكانة صانع الرأي العام وهم لم يصبروا على تثقيف أنفسهم حتى يتأهلوا لذلك؛ وأما مدح الرجل بغير ما فيه فهي من أخلاقيات المهنة عندهم حفاظا على العلاقات الديبلوماسية في المماليك الافتراضية، وأما الهذيان والهدر فهو ديدنهم الذي عنه لا يحيدون، ونِـحلتهم التي يعتنقون.

ومسيرة الهرّاف تبدأ هكذا: خطوات خجولة في البداية مع منشورات كثيرة ومتنوعة، “تبلحس للمؤثرين” الكبار حتى ينال بعض الرضا منهم وبعض الدعم عند الاقتضاء، ومحاولة كسب كل الجهات والأطراف والتوجهات والأطياف والتحالفات والتحزبات، وتجنّب اتخاذ مواقف صلبة تجاه القضايا المثيرة والخلافية لكسب أكبر قدر من المتابعين. ثم بعد مرور وقت يختلف طوله من شخص لآخر، ينجح هذا الشخص ـــ بعد طول عناء ـــ في الحصول على الرقم المطلوب في عدد المتابعين. وهنا عزيزي القارئ يمكننا الحديث عن ولادة هرّاف جديد ينضاف إلى أسلافه السابقين له في المهنة، والذين سيشعرون ـــ بسبب اشتداد المنافسة ـــ بضرورة زيادة منسوب “الهرف” عندهم، حتى لا يفقدوا مراكزهم التي أحرزوها بعد جهد جهيد.

واعلم أن دخول عالم الهرّافين يتوقف على تحقق ركنين: الركن الأول، ــ ركن مادي ــ هو ما سبق ذكره من عدد المتابعين الذين ينبغي أن يبلغوا رقما معينا، وغالبا ما يتم تحديده في مائة ألف متابع. ويستحسن والحالة هذه أن يوثق المرء حسابه بعلامة زرقاء، هي التزكية الأعلى في هذا الشأن؛ بحيث إن الحاصل عليها يُصبح فعلاً ــ كما ذكرت صديقتي فرح أشباب في تدوينة ساخرة لها على الفيسبوك ـــ هو المصدر ذاته، ولا يُسأل عن مصادره فيما يقول، ويمتنع أن يقال له: من أين لك هذا؟

وأما الركن الثاني ـــ ركن معنوي ـــ فهو ذلك الشعور الذي ينتاب هذا الشخص بأن العالم كله ينتظر بفارغ الصبر رأيه وتعليقه على الأحداث، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها، كيفما كان نوع الحدث، وفي أي بقعة من العالم وقع. ومن علامة بلوغ درجة الرسوخ في عالم “الهرافة” أن يشعر هذا الشخص بضرورة الاعتذار لمتابعيه لكونه لم يعلق على حدث معين؛ فاعتذاره يدل فعلا على أنه كان يشعر بوجوب التعليق على كل شيء.

فإذا تحقق في المرء هذان الركنان فقد صار من نخبة الهرّافين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن من بلغ من القوم هذه المكانة، وتحصّلت له هذه الشروط، ينشأ عنده ما يمكن أن نسميه بالوهم الكبير، فيشعر أنه يُدير كيانا بكامله، ومن ثم يلزمه أن يحدد مواقفه من التطورات السياسية العالمية والأزمات الاقتصادية الدولية والتغيرات المناخية وغيرها من القضايا؛ ويشعر أنه ملزم كذلك ببيان رأيه السديد في أداء الحكام الذين قادوا مباراة معينة في دوري الأبطال، بل يقطع بفسادهم وانحيازهم، بل فساد الاتحاد الأوربي لكرة القدم بكامله؛ وأن فريق ريال مدريد نفسه ما كان ليفوز بثلاثة عشر لقبا في أغلى مسابقة أوروبية لولا أن هذا الاتحاد كان ينحاز له، وهلم جرا من الأوهام.

وقد تعاظم هذا الوهم لدى القوم مؤخرا مع ظهور جائحة كورونا التي يعيشها العالم، فأصبحت لهم آراؤهم القاطعة في كل ما يتعلق بهذا المستجد؛ فمنظمة الصحة العالمية بحسب نظر المقدَّم فيهم فاسدة، وتقاريرها منحازة، ولا يمكن الوثوق فيها، وأما الجدل حول الهيدروكسيكلوروكين فهو سياسي بامتياز، ولا حظ للطب فيه؛ بل هو دواء نافع في فيروس الكورونا طبيا، ولكن المصالح واللوبيات الاقتصادية التي تحكم العالم لا تريده رغم ثبوت نتائجه الإيجابية في معالجة المرضى بالفيروس المستجد. وأنت تقرأ كلام الرجل تشعر وكأنه قبل قليل كان يتغذى مع ديدي راوولت، أو لعله كان هو السر الأمين على تجاربه حول هذا الدواء. وبالإضافة إلى ما سبق، فللقوم تفسيراتهم الدقيقة وتحليلهم السديدة لمؤشرات انتشار الوباء، ولماذا يكثر في دول ويقل في أخرى؟ وما علاقة انتشاره بالتقدم الاقتصادي والتخلف؟ وغيرها من القضايا المتعلقة بمسألة الكوفيد.

وقد ازداد عجبي من بعض الذين يخوضون في مسألة الكوفيد مؤخرا من “هذه الجماعة”، لأن حديثهم عن قضايا هذا الفيروس يثير العجب حقا، بل درجة الثقة التي يتحدثون بها عصية على التصديق فعلا. ففي الوقت الذي تحيّر فيه العلماء، وعجزوا عن التنبؤ بإمكان السيطرة على الوباء، أو الوصول إلى إنتاج لقاح ضده، ولم يستطيعوا أن يحددوا الوقت الذي يمكن أن يتطلبه النجاح في إنتاج هذا اللقاح، وما نسَب النجاح؟ وهل من الأفضل أن نُبقي الحجر أو أن نُعيد الأنشطة الاقتصادية إلى الدوران؟ إن إجابات العلماء كلها حول هذه الأسئلة ــ لمن يتابع ـــ كانت غير واضحة، وغير واثقة، على الأقل في الأسابيع الأولى لانتشار الوباء. لكن جماعة الهرّافين كانت لديهم إجاباتهم القاطعة عن كل ما سبق، بل هم يدرون مسبقا أن الغاية من صنع هذا الفيروس إنما هي “زرع شفرة في جسم الناس من أجل تتبع حركاتهم”. هكذا والله، ولن ألومك عزيزي القارئ إذا شككت في نقلي لهذا الكلام؛ لأنني أيضا لولا أنني قرأته بنفسي عند صاحبه ما صدّقتُ أن شخصا قد أوتي سعة في الخبل والعته حتى جاز عنده قول مثل هذا الكلام.

و”المؤثر الهرّاف” لا يقف تهريفه عند حد، فهو قد يجادل في أسئلة وجودية لازمت التفكير البشري لآلاف السنين، وقد يحسمها بتدوينة واحدة جامعة مانعة؛ بل أحيانا لا يستطيع أن يفهم حتى لماذا وُجد الخلاف في بعض القضايا، رغم وضوحها وجلائها بحسب توهّمه. فالعلماء والفلاسفة ليسوا إلا مجموعة من الحُمق، لأنهم يستشكلون ما لا يشكل، ويُغمضون ما ليس بغامض؛ إن الحق أبلج وإن الباطل لجلج. وما الحق إلا ما يراه صاحبنا ويرتضيه. وهنا لا بد أن تدرك سرا لطيفا عزيزي القارئ، وهو أنه لكي يصبح المرء “مؤثرا هرّافا” لا بد أن يكون يتمتع بقدر عالٍ من الوثوقية، أو إن شئت قلت: من البلادة التي تحمله على الوثوقية المبالغ فيها، حتى في الأمور يمتنع فيها القطع والجزم.

إن صانع المحتوى الذي وقع ضحية أوهامه يتصرف وكأنه يدير دولة بأسرها، فيرسل التعازي ليس لعائلة مشاهير الوطن فقط كعائلة اليوسفي ــ رحمه الله ــ ولكن يرسل التعازي لعائلة كل المشاهير الذين يتوفون في كل بقعة من بقاع العالم، ويعزي الشعوب الأخرى حين تنزل بهم كارثة معينة، وهو يندد باعتقال راقصة في مصر، ويرى أن اعتقالها اعتداء على الفن، وهو بعد أن يهنئ علماء الفيزياء الذين فازوا بجائزة نوبل يبدي رأيه السديد حول الثقوب السوداء. وهو في كل هذا، له خط تحريري واضح، وسياسة خارجية تقوم على التحالف المثمر والفعّال مع جماعة المؤثرين الآخرين الذين يشتركون معه في بعض الصفات. وهذا لا يعني أنه لا يخوض معارك مع أحد، بل هناك حروب تدار في الخفاء، يمكن أن نسميها بحروب افتراضية باردة، تتخذ في الغالب صور التنقيص بشكل خفي من أهمية ما يقوم به مؤثر آخر.

فهذه بعض أحوال القوم، وهي غيض من فيض، وقليل من كثير. ولو استرسلت في الحديث عن جميع أحوالهم ما كفاني يوم ويومان، ولا مقال أو مقالان، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنُق.

ولا يُفهم من كلامي هنا أنني ضد أن يكون للمرء رأيه الخاص في أي مسألة من المسائل، ولا أن يعمل المرء لكي يُنجح ما يراه مشروعه الشخصي، كأن يكون صانع المحتوى. بل إن من صنّاع المحتوى ممن نعرفهم يعملون بجد لكي ينشروا شيئا يفيدون به الناس؛ فلا ينطبق كلامي على كل من احترف صناعة المحتوى على الأنترنت، وليس مقصودا به الجميع، وإنما طائفة بعينها ينطبق عليها بقليل أو كثير ما ذكرته آنفا من الأوصاف، وإن كان الكلام في البدء والمنتهى ذا طابع ساخر يُفهم في سياقه.

وأخيرا فللكلمة أثرها، ومن الحكمة أن يتحوّط المرء لنفسه، وأن لا يهرف بما لا يعرف، وأن يَحترم ذكاء الناس وقدراتهم العقلية على التمييز بين الغث والسمين، وأن لا يجعل من نفسه محلا للسخرية والتهكم؛ فبعض الكلام لا يمكن إلا أن يسخر منه، ومن العبث محاولة تفنيده. وحين يكثر المرء من التحذلق والتذاكي يحسُن به أن يتوقف من حين لآخر، ويتذكر قول أجدادنا المغاربة: “الخيل مربوطة والحمير كتبورد”. ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون