أسير غرفته

في غرفة مربعة الشكل، يعلو عليها طابع البساطة، سرير خشبي بال يستند على خزانة هشة، معظم محتواها كتب يغطيها الغبار وصور يعود تاريخها لسنوات عديدة مضت، عادة ما تكون الإنارة خفيفة لولا الشعاع المنبثق من زجاج النافذة المكسور الذي يسمح بمرور قليل من الأمل يصاحب ضوء الشمس، محاولا تخفيف آثار العزلة التي تربعت على عرش الجدران أو ربما الطبطبة على الجراح التي ارتسمت فيها حتى وإن صعب اندمالها أو تركت ندوبا تحكي الوجع.

على السرير، روح موجوعة تطفو عليه، جسد نحيل منهك لا زال يتشبث بعتبة الحياة ولا يتعاقد عند أي فرصة. ذو لحية وشعر طويلين، وتجاعيد رسمها الزمن على محياه، تقاسيم وجهه تنم عن غموض كبير. انتهى لتوه من تناول أقراص الدواء، هذا السم الذي اعتاد الجريان في عروقه بعد ملازمته له طوال السنين الأخيرة.

استبعده الوطن والعائلة إلى نقطة سوداء بعيدة جراء ما حل به من وحدة وفراق، فأضحى أسير أمتار قليلة لا يخرج منها سوى للتبضع، فلا شيء يشد انتباهه في الخارج أو يدعوه لمحاولة النسيان، كل يعيش داخل عالمه الخاص أما هو فلا يزال حبيس الماضي الذي لم يحض معه بوداع لائق، وشاردا عن حاضره الذي يرفض التصالح معه.

ككل ليلة يتوسد دموعه والظلام الدامس يغطي ثيابه الرثة ويعيد نفس الطقوس التي اعتاد عليها منذ فراقه الأخير مع الأحبة والوطن، يراجع خيباته التي عاد مثقلا بها، ويتعهد أن يطوي صفحة الأحزان وأن تكون قصيدة مقفاة خلاصه الأخير من الماضي ليرحب بسنين قادمة خالية من ذكريات تقد مضجعه، لكنه سرعان ما يعود خالي الوفاض من رحلة التفكير الليلية والوعود الكاذبة التي يقطعها مع نفسه. أين المفر من حزن أرقك؟!

لم يعان من فقد الأحبة والأماكن فقط، بل تجرع من كأس الخوف والتردد حتى ما عاد يقدر على خطو خطوة واحدة خارج جدران غرفته، فالعالم في الخارج محط الغدر والخيانة بالنسبة إليه. وحيد هو وسط ما خطت أنامله من كتابات عشوائية وما جادت به موهبته في الفن التشكيلي من لوحات، بقدر ما تحمله من الغموض صعب التأويل بقدر ما تحمله من الجمال خاطف الانتباه. ورغم ما تكتسيه من تميز، قدر لها أن تعلق بجانب صاحبها على الجدران، داخل سجنه كأنها تشهد على ما تجرع من الويلات وتحكي ما عاش من ألم لا سبيل لوصفه سوى الفن.

وحده مزيج الألوان شكل مجموع الأفكار التي جالت بخاطره تحكي من جهة مشاعر الغضب والخذلان وأخرى تجسد مفهوم الصدمة التي عاشها. كان الفن والكتابة طريق الهروب الذي يسلكه في عز وحدته بعد أن هجره كتف ما عاد قادرا على إسناده. لم ينتظر يوما أن ينتهي به المطاف وحيدا وقد تخلى عنه كل من أفنى عمره على إسعادهم وتكبد الصعاب من أجل راحتهم، لم يتوقع أن يكون جزاء إحسانه هجران في آخر الطريق، هم لأحلامهم ومناهم الذي دفع ثمنه وهو إلى لوحاته ومخطوطاته، لكنها الحياة دار العقبات والتعثرات التي كتب له أن يمضي فيها وحيدا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri