اشتدي أزمة تنفرجي

مع التطور الذي عرفته وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة بشكل عام، وصناعة المحتوى العربي -الهادف- بشكل خاص، أصبحنا نشاهد مواد إعلامية إلكترونية تسلط الضوء على حيوات بعض الشخصيات العامة من زعماء، ممثلين، مشاهير، ورياضيين…وكيف بدأوا مشوارهم من الصفر وكافحوا ولم يستسلموا للعقبات التي واجهتهم حتى وصلوا إلى المرتبة التي عرفهم فيها الناس.

هذا شيء مفرح وجيد، ولكن من المؤسف أن تتم الإشارة إلى قصص أناس من خارج الحدود العربية، ويقتدي بهم شباب اليوم، ليتم إغفال أهم سيرة وجب علينا الاقتداء بها منذ الصغر، وهي سيرة الحبيب المصطفى، تطبيقا لقوله تعالى في سورة الأحزاب: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

فمن ولد يتيم الأب، فقد أمه بعد ست سنوات من ولادته، نشأ في اليتم في سن جد مبكرة، وذاق أشد أنواع الفقد مرارة بداية من فقد الأبوين إلى فقد الجد والعم، اللذان حرصا على رعايته في صغره، ثم إلى فقد الزوجة السند وفقد الولد والبنت، ثم الوقوف والصبر أمام أذى قريش له ولأصحابه، بجميع الطرق من كلام وضرب وتعذيب وطرد.. في سبيل إيصال الرسالة التي كلفه بها الحق تعالى، ألا يستحق أن يكون القدوة الأولى لنا نحن كمسلمين به وبدينه؟

انطلاقا من مبدأ أن المعاناة مصنع النجاح، قررت أن أشير في هذه الأسطر القليلة إلى ثلاث وقائع حدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت جد قاسية على نفسيته، لأنها تعاقبت عليه في آن واحد، ولو كان شخصا ضعيف الشخصية والإيمان لاستسلم وقرر التوقف عن الدعوة إلى دين الحق.

للإشارة فقط، فهذه الأحداث لم تكن هي الوقائع الصعبة والوحيدة التي مرت عليه صلى الله عليه وسلم، فكما هو معروف في السيرة النبوية أن طريق الدعوة لم يكن بالطريق المعبد والسهل، بل كان مليئا بالامتحانات والعقبات وأيضا بالأفراح والانتصارات. وهكذا هي الحياة فلا شيء يؤخذ فيها بالسهولة، كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي : ” وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا “.

موت أبي طالب

مات أبو طالب عم الرسول في السنة العاشرة من البعثة، وقد كان حريصا  في حياته على رعاية ابن أخيه والدفاع عنه من بطش قريش التي كانت لا تجرؤ على إيذاءه احتراما لأبي طالب، وقد حاول معه الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر لحظاته على أن ينطق الشهادتان ويدخل بذلك الإسلام إلا أنه أبى خشية أن يلحقه العار من قومه، وهذا ما أحزنه صلى الله عليه وسلم ودفعه أن يقول: “أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك” فأنزل الله تعالى: «مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ». [التوبة: 113].

بعد وفاة عمه خلت طريق قريش إلى محمد عليه الصلاة والسلام وازدادت حدة أذيتهم لهم، حتى أنه يروى أن سفيها من سفهاء قريش اعترض الرسول ونثر (رمى) على رأسه التراب، فقال صلى الله عليه وسلم: “ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب”.

موت خديجة أم المؤمنين

لم يستجمع الرسول قوته من فاجعة موت عمه، حتى فجعه الموت مرة أخرى بخطف زوجته ورفيقته ومؤنسته خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وهي الأخرى ماتت في نفس السنة، وهذا ما زاد من حدة حزن الرسول ودفعه أن يطلق على ذلك العام اسم “عام الحزن”.

فخديجة لم تكن بالشخص البعيد عنه، بل كانت أقرب شخص له، وهو الذي كان دائما يسارع إليها ليخبرها بأي شيء حدث معه، حتى أنها كانت هي أول شخص علم بنزول الوحي، ثم ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل الذي بشره بأنه نبي الأمة، وبذلك كانت خديجة أول من آمن بالنبي من الرجال والنساء، وأيضا أول من توضأ وصلى. فقال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كّذبني الناس، واوستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء”.

سعي الرسول إلى ثقيف يطلب النصرة

بعدما اشتد عليه أذى قريش بعد وفاة عمه، قرر الخروج إلى الطائف ليلتمس النصرة من أهل ثقيف، فخرج في دعوته هذه هو وزيد بن حارثة، إلا أن ما وقع لم يكن يتوقعه أحد، فعندما وصل إلى هناك أخذ يدعو أشرافهم إلى الدين، إلا أنهم طردوه وقالوا له اخرج من بلادنا، وأغروا به عبيدهم فقذفوه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه وأصيب زيد في رأسه.

ومن شدة الخيبة والحزن الذي أصابه ذهب إلى أحد بساتين الطائف وتوجه إلى الله بهذا الدعاء الخاشع: “اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.”

ثلاثة أحداث، قد تبدو للبعض أحداثا جد عادية، ولكنها في الحقيقة جد قاسية خصوصا على نفسية من مر بها، ولك أن تسأل شخصا فقد إنسانا عزيزا على قلبه كيف انقلبت حياته رأسا على عقب بعد موته؟ ولكن ماذا عسانا أن نفعل؟ هل نترك كل شيء وندع الحزن يتملكنا؟ هذه هي سنة الحياة وكلنا سنصل إلى تلك النقطة “كل من عليها فان” لذا وجب علينا الرضا بما كتب علينا ومواصلة الكفاح حتى بلوغ أهدافنا، كما فعل عليه الصلاة والسلام حتى بلغنا الإسلام اليوم.

في الختام، أود أن أنوه إلى أمر بسيط، هو أنني لا أعتزم من خلال هذا المقال ارتداء جلباب رجل دين، فأنا بعيد كل البعد عن ذلك، وتلك مسؤولية لن أقدر عليها ما حييت. كل ما في الأمر أنني في فترة جد قريبة مررت بوضعية نفسية مؤلمة كانت حبيسة عقلي لم أبح بها حتى لأقرب الناس إلي، وعوض التوجه إلى مساوئ الأمور من مخدرات وأفكار سلبية، اتخذت طريقا -ولله الحمد- ساعدني على الخروج من تلك الدوامة بأقل الأضرار، اتجهت إلى طريق الرب سبحانه وأخذت في دراسة سيرة نبيه، وعندما قرأت عن عام الحزن وواقعة ثقيف ارتأيت أن أصوغ تلك الواقعة في مقال يعرف بها لمن يجهلها، وتكون عبرة لي أنا الأول في كل مرة تراودني فيها تلك الأفكار.

في كل أزمة احرصوا دائما على ترديد كلمات الشافعي رحمه الله: “ضاقت فلما استحكمت حلقاتها.. فرجت وكنت أظنها لا تفرج.” والسلام. 

1xbet casino siteleri bahis siteleri