العزيمة!

إنها الشعلة والشرارة والوهج، وهي الشمس بعد الغيوم، والنسيم بعد العاصفة، والثبات قبل الاندفاع أو التهور، وهي وجه غير وجوه الحياة الأخرى. هي البسمة الصارمة والقلب القوي؛ لا يمكن أن تجد إنسانا ناجحا لم يفشل في أمر من الأمور، ذلك إن لم يكن قد فشل في كل شيء؛ فالمرء الذي يفتخر بعدم الفشل إنسان مخدوع يعتقد بنجاته من وحل وهو فيه يتخبط دون أن يدري.

والفشل قد يقودك لشيئين حتميين؛ مصير إلى العذاب والدموع وجلد الذات وهي طريق يمر بها الجميع، ثم طريق إلى القتال والاجتهاد والتجلد، وإلى هنا لا يصل سوى القليل، منهم أصحاب الهمم العالية الذين لا يخشون عارضا في السبيل إلى الوصول. عند أصحاب العزيمة، الحزن ضيف لوقت وجيز، وداء يتصدون له بكل قوة وبدون خوف. أما الذين لم يبلغوها، فحزنهم يأتي كما تأتي الأمراض الانتهازية لجسم الإنسان. تنتظر أي محفز كي تشتعل وتحرق بذلك جسد المرء فتذهب عافيته.

تساءلت كثيرا عن سر هذا الفرق بين الناس، وما الذي عرفه أصحاب الهمم العالية وخفي عن المعذبين، فأفقدهم شرارة الحياة ولبثوا في دياميس الشجن والحسرة. هل هو القدر الذي ظلم البعض وأنصف الآخرين؟ لكنه سؤال في جوهره يخالف المنطق والعقل، وبذلك يدفعنا إلى التفكير ونحن ضعفاء بشيء يشكل فارقا كبيرا بيننا ونحن في قمة الألم وبين من هم في قمة العطاء. وهذا الشيء هو أن العزيمة والألم قد يكونان أصدقاء أو أعداء، ولنا كامل الاختيار في إقناع العقل بالأمر الذي نقرره، فالعقل يسلم بأي شيء يردده الإنسان وقد يكون بذلك ضحية للتكرار إلا أنه تكرار في صالح الشخص. ومن أحسن ما يقنع به المرء نفسه أن العزيمة والألم أصدقاء وهنا مربط الفرس. فلكل ذي همة عالية ضربة من الضربات أو هفوة من الهفوات جعلته ينطلق بعيدا عن بؤرة فشله وهو لا ينسى بعد كل نجاح الدافع لكل ما حققه. إنه ذاك الألم!

بين العزيمة والاستسلام
وجد الإنسان ضعيفا، إن قاوم شيئا فإنما برحمة من الله. وقد يحدث بقلب الإنسان من حين لآخر أن يعتم، فلا يرى صاحبه نور الله الذي لا يفنى. ليس عيبا أن يملك العبد الضعيف فترة هدنة من الزمن يستجمع فيها قوته إلا أنه في هاته الهدنة ينبغي على الإنسان التفكير في النهوض وهو يتكئ على العبرة لا الزمن؛ فالزمن قد يطول والحياة قد تمضي ونحن ننتظر رحمة الذي لا يرحم؛ إنها رحمة الوقت التي لم توجد ليوم من الأيام. والاستسلام هو ذلك الجحر الضيق الذي يسجن المرء فيه روحه فلا يبصر كل العوالم النيرة من حوله ويعتقد بذلك أنه ما من شيء يستحق العيش. والحقيقة غير ذلك فما دمنا أحياء لا زالت الأشياء تستحق هذا النفس الطويل.

ماذا بعد العزيمة؟

لن نأمل أن يعجب بنا الناس أو يصفق لنا الحاضرون لأننا أصحاب همة، فكلام الناس هباء وسراب لا يسمن ولا يغني من جوع، وشهادتهم تتلون بالنوايا والرغبات والظروف والأطماع، بل سنأمل أن نحقق ما كنا قد أردناه ولو لم نعد نريده، وهذا العناد عناد جميل لا يقسو على الإنسان إنما يقسو على كل الظنون السيئة التي أحاطت به من كل جانب. وسنأمل أن نكون أقوياء لا لتحبنا الحياة بل لنحب أنفسنا، فلا يمكن لإنسان أن يمجد ضعفه أو يحبه سوى إن كان قد حكم على نفسه بالموت قبل أن يحين الأجل. وسنأمل أن يحبنا الله قبل ذلك، فالله يحب المؤمن القوي ويحب أن يرى عبده ذليلا إليه عزيزا بين الناس وذلك أمر لا يتحقق بالهمة العالية.

بالعزيمة تعرف الغاية التي وُجدتَ لأجلها والغاية التي يجب عليك الموت لأجلها، وبالعزيمة تكون حرا متحركا وتعبر عن نفسك كما تفعل كل الكائنات، تُشرق كالشمس وتهب كالمطر وتستفيق كالفجر وتسعى كالطيور وتزهر كالربيع وتلهث كحقل في يوم من أيام القيظ وتتنفس كالغابات وتعمل كالنملة وتكون في وجه الفشل كالإعصار وفي عيون اليأس كالرعود، بالعزيمة تنسجم مع كل المخلوقات وتصنع في هذا الانسجام شيئا مميزا سمته الحياة باسم جميل، إنه أنت.

1xbet casino siteleri bahis siteleri