أهي لعنة الاكتئاب؟

كذلك ردد في نفسه بنبرة أقرب إلى التساؤل منها إلى العجب، ليطلق تنهيدة حارة لكأن صدره كاد ينشق جراءها. ليغرق في تأملاته مرة أخرى، غير عابئ بكل ما يدور، يمشي ويتحرك من حوله وكأن الكون لا يعنيه فلا هو منه ولا هو ينتمي إليه، فهو على كل حال لا ينتمي إلى أي شخص، أو مكان، أو فكرة أو زمان، ينتمي إلى كونه الداخلي فقط منذ أزل بعيد يقدر بالشهر تقريبا.

كذلك ظل منكفئا على ذاته، متكئا بمرفقه على ركبتيه، واضعا خده على راحة يده، ببساطة متقوقعا على ذاته، غارقا فيها بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ إلى أن أيقظته ريح قاسية أدمعت لها عيناه، معلنة عن عاصفة تلوح في الأجواء محملة بأمطار وثلوج مما اعتاده مجتمع سانت بطرسبرج خلال الشتاء.

رفع عينيه إلى السماء وكأنه يعتزم البوح برجاء لكن ترددا يغلب عليه: إما بسبب ثقل ما يجثم على صدره أو لأنه لم يجد الكلمات المناسبة لصياغة رجائه؛ ثم أغمضهما بقوة وكأنه يخرس بذلك فكرة تنطق بها عيناه رغما عن إرادته الحرة التي تحبذ السكوت وتتبناه.

نهض بخطى متثاقلة وكأن أرطالا من حديد رُبطت بقدميه، متأملا الكرسي الذي احتواه منذ ساعة، لربما ساعتين أو ستا، لم يعد يذكر على كل حال، ففيم يهم هذا، وهو عبارة عن كرسي مما تعج به الحدائق في روسيا الباردة -قالبا وقلبا إن كان لها قلب-، مهترئ حالت ألوانه وتقشرت لتكشف عن خشب غمرته الرطوبة فلم يعد صالحا حتى لأن يصير حطبا لمدفئة.

كذلك ظل مستغرقا فيه وكأن الكون اندثر دونهما، إلى أن اعتزم أمره أخيرا على الاستدارة موليا وجهه ناحية الجسر. لكنه ما لبث أن توقف مندهشا أشد الاندهاش من أطفال يلعبون حوله.

– “بل، بل إنهم…إنهم يشعون مرحا”

كذلك حدث نفسه، كيف لم يلحظهم قبل هذا هو ما لا يدريه.

“كيف؟ كيف لهكذا مرح إنساني لا نظير له سوى لدى الحيوان أن يغمر هؤلاء…هؤلاء الأطفال؟”

-“كلما كبر المرء، كلما نضج عقله، مما يترتب عنه نقص لا بل انخفاض، لا، لا بل سقوط…نعم…نعم سقوط في مستوى مرح الانسان بل فرحه وسعادته أيضا.”

غمغم بصوت هامس، مبتعدا عن الأطفال بجسده، لكن عقله لا يزال عالقا في سؤال: أما من سبيل لاسترداد هذا الفرح الطفولي البريء؟ أين العدالة في أن ينسى الإنسان كيف يسعد ببساطة وهو الذي بلغ من قوة الإدراك وشدة الوعي ما بلغ؟ فما أحوجه الآن إلى هاته المعرفة من طفولته!

قطع الجسر صعودا متجها نحو الضفة الأخرى وقد خف استغرابه ودهشته أو هكذا يبدو…لكنهما ما لبثا أن اشتدا: إذ ارتطم إدراكه المتيقظ أول ما ارتطم به على الجسر؛ فتيات متأنقات رفقة أهلهن يضحكن بمرح أو هكذا يرتسم على محياهن، وسيدات وسادة يتجاذبون حديثا ليس على شيء من الأهمية، لكنه مع ذلك يثير فيهم حماسة تثير الحنق لكنها كفيلة بحض المتحدث على الإسراف في الكلام والإفاضة في التعبير.

وصغار المجتمع من خدم وتجار صغار وفلاحين يجيئون ويذهبون محملين بسلل تنتأ منها خضروات -فشل غطاء السلة البني المهترئ هذا أو الأسود الشاحب ذاك في تغطيتها وتمويه وجودها- تعتلي ثغورهم ابتسامات صفراء متعالية متغطرسة تغطي سوءا لتقدير الذات أو نقصا في القدرات أو تعكس زهوا بالنفس ووقارا مفتعلا مسلوبا بموجب التراتبية الطبقية والمادية. وعربات تمشي الهوينى محملة بسيدات جميلات وسادة تتبدى على وجوههم سعادة متكبرة.

– “ما السعادة؟ كيف…كيف…كيف السبيل إليها؟”

ردد بكلمات غير مفهومة، وهو يحدق بعينين زائغتين، حائرتين، مفتوحتين على مصراعيهما كعيني أبله بالمتحدثين وهم يرمقونه بنظرات خاطفة لا تراه، والعابرون يرتطمون به دون أن يدركوا وجوده. ألهذه الدرجة هو غير مرئي؟ ألهذه الدرجة وجوده مهدر هذا الكائن؟ لم لا يلحظ أحد من هؤلاء السعداء حزنه؟ ألأن وجهه إلى الداخل فلا يعكس شيئا مما يعتمل بداخله؟!

-“اللعنة!”
كذلك صاح وبداخله كره وليد الحسد، نعم هو يحسدهم وسيفعل دائما ما دام غير قادر على أن يكون سعيدا!

-“هراء! هراء”
نطق بكلماته بصوت مسموع -ما إن ادرك مشاعر الحسد التي تولدت بداخله- كرد على تلك الفلسفات التي تحض الإنسان على أن يسعد لسعادة غيره ولو مرغما. فما من إنسان يستطيع أن يسعد لأجل غيره سعادة كاملة ما دام هو ذاته غير سعيد، ولا أن يغتبط لنجاح غيره ما دام فشله هو يلوح بالأفق؛ وإنما هي محاولات تبوء دائما بنجاح ظاهري، حين يبدي الإنسان اغتباطه لمسرات غيره، لكنها مبطنة بفشل عميق يدركه فقط من يواجه نفسه بصدق عميق…أي لا أحد. إن الإنسان ليسر مسرة عظيمة حين يرى فشل غيره بل وانحطاطه، إذ إن هذا يمنحه فرصة ليرى نفسه نجما يلوح في السماء لامعا كل اللمعان مهما أنكر ذلك وأسرف في إبداء الحجج والبراهين ليثبت العكس.

قطع الجسر بسرعة هي أقرب إلى الجري منها إلى مشي سيد محترم، فما هي إلا لحظات حتى وجد نفسه على الضفة الأخرى. لكن ما إن لبث أن قطع ثلاث خطوات حتى تذكر أولئك الأطفال، بل لم يكن تذكره سوى إدراكا لكونه لم ينقطع عن التفكير فيهم، إذ لم يبارحوا لا عقله ولا نفسه المتعبة.

فها هو ذا يفتعل الضحك افتعالا، فيخرج صوته متشنجا مخنوقا أقرب منه إلى العويل منه إلى الضحك. يضحك ويضحك ويضحك لعله يدرك سعادة الأطفال تلك كمحاولة يائسة لأن يسترد جزءا من ذاته المتلفة.

وما هي إلا لحظات حتى اجتمعت حوله جمهرة من الناس، تنظر إليه بفضول إنساني مقيت، لو كان مدركا الآن لوجودهم حوله بعيونهم المستطلعة تلك لبصق عليهم وبصق على فضولهم: فلا شيء أبغض إلى قلبه من فضول الإنسان تجاه مصائب غيره. فضول مبطن بشماتة سعيدة لا سبيل إلى إخفائها ونكرانها.

سمع أحد الملتفين به يقول: “مسكين، لقد جن جنونه” وقال آخر يبدو وجهه مألوفا له على نحو غريب: “كلا إن به مسا، أنا جاره، إنه لم يعد يجد للنوم سبيلا. . . يجلس محدقا بالسقف، او ببقعة على غطاء المائدة طوال ساعات منكفئا على ذاته؛ وكأن شيطانا تلبسه فها هو ذا على حين غرة يصيح بكلمات غير مفهومة أو يفتعل ضحكا يفزع سكان المنزل…كذلك أخبرني خادمه.”

حدقت سيدة مكفهرة الوجه إلى الجار وتمتمت بصوت يكاد يكون مسموعا: “إنها لعنة الاكتئاب!” وانقلبت على عقبيها عائدة إدراجها. وكأن الحشد ما كان ينتظر إلا بادرة السيدة ليهب بالانصراف تباعا، ليترك هو وحيدا كما كان وقد انقطع ضحكه وغاب عنه إدراكه…ترك وحيدا فريسة لوحدته ولكآبته.

1xbet casino siteleri bahis siteleri