لعبة الحبّار: اختراق لحدود الأخلاق والقيم

1٬062

بعد الضجة الإعلامية الكبيرة التي أحدثها مسلسل لعبة الحبّار (squid game) على مواقع التواصل الاجتماعي ونسبة المشاهدة القياسية التي حققها، وانتشاره المهول بين المراهقين والشباب، أوجست منه خيفة لِما قد يكون له من حمولة فكرية خطيرة على هذه الشريحة الهشة من المجتمع، فقررت الدخول أيضا إلى اللعبة عبر شاشتي وكأنّي الشرطي الذي تسلّل إلى قواعد الجزيرة، فهل أخرج سالما (نفسيا) أم لا؟

أول سؤال تبادر إلى ذهني: ما سر نجاح هذا المسلسل الكوري؟ ولعل الإجابة هنا بكل موضوعية هي عدة عوامل ممتازة: الحبكة الدرامية، والإخراج الفني، وأداء الممثلين والأداء الموسيقي وغيرها من المعايير الفنية الأساسية لإنجاح أي عمل سينمائي، وبالتالي لن يتناطح عنزان حول جودة المسلسل من الناحية الفنية.

يتربع المسلسل حاليا على عرش أكثر المسلسلات العالمية مشاهدة عبر العالم؛ حيث حقق قرابة 111 مليون مشاهدة خلال الشهر الأول منذ انطلاقه! وهو رقم قياسي لم يحققه أي مسلسل قبل ذلك، ليصبح الأعلى مشاهدة في تاريخ منصة نيتفلكس.
لكن، ما أثار انتباهي هو تلازم الكم الهائل والخطير من العنف الجسدي مع تلك العوامل الفنية الجيدة التي ساهمت في إنجاح المسلسل! فللإشارة، كتب سيناريو المسلسل عام 2009 وقد وجد كاتبه صعوبة كبيرة في إنتاجه حيث رفضت شركات الإنتاج فكرة المسلسل بسبب نسبة العنف الكبيرة المميزة له!

فكرة اللعبة بصفة عامة مماثلة لفكرة الألعاب الإلكترونية من نوع Battle Royale، وهي باختصار مشاركة مجموعة كبيرة من اللاعبين و”المقاتلة” فيما بينهم إلى أن يبقى فائز واحد في ساحة المعركة! وهذا النوع من الألعاب منتشر بشكل كبير بين الأطفال والمراهقين والشباب، وهو ما جعل منصة نيتفلكس تنتج المسلسل مؤخرا.
بالإضافة إلى ذلك، يضع المسلسل أبطاله في مواقف مصيرية صعبة جدا: الاختيار بين القيم الإنسانية النبيلة وقتل صديق الأمس ورفيق الدرب من أجل البقاء، وبالتالي الحصول على الجائزة المالية التي تكبر على حساب أرواح المشاركين! شخصيات متنوعة (البريء، الطيب، المتمردة، العجوز، المجرم، الأناني..) تدخل بمحض إرادتها في لعبة دموية من أجل المال.

قد يقول البعض: إن للمسلسل رسائل فلسفية عميقة تعكس واقع العالم وهذا أمر صحيح، بين بذخ شديد لقلة قليلة ونظام رأسمالي عالمي متوحش لا يرحم الضعفاء. لكن العالم ليس أشد قساوة كما يزعم المسلسل! لن يستخلص عامة المشاهدين هذه الرسائل الفلسفية الدقيقة، بقدر ما سيتأثرون بالكم الهائل والصادم من العنف والوحشية المروعة. وحين أقول عامة المشاهدين، أقصد على وجه الخصوص فئة الشباب والمراهقين، وحتى الأطفال. نعم الأطفال!

صحيح أن المسلسل مدرج على منصة نيتفلكس وعلى موقع common sense media للمشاهدين البالغين سن الستة عشر عاما -وهل هذا السن الأدنى كاف بالأساس…!- مع الإشارة لمشاهد العنف والجنس. لكن، أين نحن من رقابة الآباء لما يشاهده أبناؤهم على الشاشات! هل أولياء الأمور مدركون لخطورة هذه المنصات على أطفالهم!

منصة نيتفلكس نشرت ولا زالت تنشر العديد من الأفلام والمسلسلات الخطيرة على الصحة النفسية لكل مشاهد لم يبلغ سن الرشد بعد -بل حتى لبالغه- لكن بمسلسل لعبة الحبّار وكأنها اخترقت حدودا أخرى لم تبلغها من قبل. ربما يقول البعض أنّي أبالغ في الأمر بنُِعوتي القوية هذه، لذا سأبرر كلامي بأخبار واقعية:

قال وزير التعليم الفرنسي جان ميشيل بلانكير في حوار على قناة LCI، متحدثا عن خطورة المسلسل وتأثيره الملحوظ في ساحات الاستراحة للمدارس: “…هناك طبعا مسؤولية الوالدين، لن نصل إلى شيء إذا لم يلتزم الآباء في مراقبة ما يشاهده أبناؤهم!”، كما أضاف: “لا تدعوا أبناءكم لوحدهم أمام الشاشات!”
وفي مدرسة بلجيكية بإركلينس “erquelinnes”، قام مجموعة من الأطفال بتقليد أول لعبة في المسلسل، وكان العقاب للخاسرين هو الجلد بالحبل!
كما نشرت الأكاديمية التعليمية لليون الفرنسية على الصحيفة الإلكترونية leprogres.fr بتاريخ 15 أكتوبر 2021، مجموعة من إنذارات العنف المترتبة عن المسلسل الواقعة بصفوف المدارس التعليمية.
هذه فقط بعض الأمثلة الحقيقية للنتائج الوخيمة على الأطفال في أوروبا، فما بال أطفالنا بالدول العربية المسلمة!

كل ما تحدثت عنه إلى الآن يخص القتل والعنف الجسدي، فماذا عن المشاهد الإباحية؟! من أخطر ما يتعرض له الشباب والمراهقين والأطفال عبر الأعمال الفنية هو تدسيس المشاهد الإباحية في المسلسلات الناجحة!
يشتد غيظي كلما علمت أن مسلسلا به مشاهد مخلة بالحياء منتشر بين الأطفال والمراهقين! مرة أخرى، اللوم كل اللوم على الآباء الذين يتركون الحرية الكاملة لأبنائهم على المنصة! آباء لا يأبهون لأطفالهم، طالما هم جامدون أمام الشاشة، فأين المسؤولية، أين التربية، أم على عقولٍ أقفالُها؟!

مشكلتنا في مجتمعنا اليوم، هو أن الآباء يؤدون فقط دور الرعاية لأبنائهم من أكل وشرب وكسوة وتمدرس، في غياب تام للتربية الأخلاقية وما تشمله من قيم ومبادئ حسنة؛ فالتربية الحسنة تحتاج لمكابدة ومجاهدة ما دام الطفل تحت مسؤولية والدَيه، إلى أن يبلغ سن الرشد ليصبح مسؤولا على نفسه.

هذا المسلسل، جندي واحد فقط من جنود منصة نيتفلكس التي تشن حربا على عقول الفئات الهشة من مشاهديها، من عنف وجنس ومثلية وغيرها من مهدمات الأخلاق والقيم الصحيحة…وقد سبق هذا المسلسل الكوري مسلسلات سابقة، الإسباني منها والألماني… ولا زالت مسلسلات أخرى قيد الإنتاج.
صرختي من خلال هذا المقال هو نداء للآباء وأولياء الأمور لكي يراقبوا المحتوى الذي يشاهده أبناؤهم على الشاشات: أرجوكم!

1xbet casino siteleri bahis siteleri