شبح انتظاري

كانت كوكب الشرق سابقة في سؤالي أغدا ألقاك؟ لم تفارق ذاكرتي تلك الليلة المغتمة حين بت أترقب إلمامك حتى صار أنين أنفاسي يلحن معزوفة انتظاري، وخيالي يرفرف بي بين الفينة والأخرى وسط عالم متشح بالورود راقص على ترانيم الجرس، فأهرول نحو الباب كي أفتحها لأجد أنني في حلم زائف مشدو بوجس طرق باب يتخلل أذني كل بغتة. أتوغل أكمام شجر حديقتي وأروي لها ما حل بمهجتي فتستمد من أريجي لحنها كي تهكم شجني وتنسيني ثنايا الزمن وأوراقها المتساقطة تثني طربها.

ألم ينعم انتظاري بحبوحة؟ كتلميذ منتظر غشيان أستاذه كي ينعم ثغراته ويلملم ثلمه فيروي عطشه ويشفي خدشه؛ أجل، فقد صدق القيصر حين أطلق على الهيام مدرسة الحب، أرجعت عقارب ساعتي مرات عدة ولكن ما أطولك يا ساعات.

غفوت وأنا انتظر، بل كررتها مرات وكلما استيقظت هلعا يكون لي في نعومة يديك أمل، إلى أن صار ينتابني شعور كأني أنتظر شتاء في عز حر الصيف، لكن حرقة انتظاري كانت تغطي في كل مرة عن أي سؤال يخطر في بالي وعن أي استفسارات حول وصوله حتى شُيد داخلي جبل محشو لا يفهم الدرس أبدا. فكيف له أن يحل جوهره وسط الصف واللهفة تعمي مقلتيه، انغمست في انتظاري حتى غدت أهتز من لهيبي. انسكب مطر حزني بغية إطفاء حريق استفهاماتي الموقدة، فتحول حزني إلى نزيف صمت أرهقني فغفوت تارة أخرى كأنها الأولى وأحلامي منحوتة كأوهام على قائمة انتظاري.

أوديت ساعات طويلة وأنا أروي عطش تلك البذرة الصغيرة المتوقة لرؤياك، سقيتها وأنعشتها بيد أنها ذبلت وكفكفت معها نسمات أملي. حسبتها ستكون لي أنيسا يتكاثر ليزين مأواي ويلون أفق جداري لأستفيق وأجدها قاحلة مستسلمة لرياحها حتى دهمني صقيعها، خذلت مجددا ولآمالي بقية، أجل يا سادة، ليس لي غير أطلالها خليل وها أنا ذا أظفر ما لج وأرنم له شجي ألحاني لعلها تصغي وتؤول.

مقالات مرتبطة

أقف صامدة على حافة أملي متشحة رداء أسودا كي أبني جسري على نهر يأسي وخاطري متوق إلى زهيرات قد تكون نجت عجبا، طال المدى وتضافرت آهاتي فأضحيت خرابا أسودا بلا نديم إلى أن خبب بكائي بل عز بكائي نصاعة مقلتي، تسكتني، تذبحني ثم تقتلني مجددا.

كانت خيبة الأمل عنواني منذ البداية لكن تعاميتها، انتظرتك بلهفة لكنك لم تأتِ، وها قد ذبذبت طعنة الهيام روحي المسكينة وغرزت بأنيابها وأشواكها أعماق كياني، وما انتهت حتى انطفأت مصابيحي ومصابيح نجدتي ثم رمت بي جوف أمواج أساها. جسدي يحارب منيته وذاكرتي تحارب صراعها وندوبها. استوطنتني، فطست فؤادي وثويت جوهري إلى أن توارت ملامحي وأريجي فغدوت أعزف عن التذمر ثم أضحت دبرة في قلبي.

عشقت الانتظار حين كنت صاحبه فأدركت بعدها أنها كانت دقائق قيمة ضحيت بها من أجل سحر عينيك، لكن أنا من سحرني الدهر ورمى بي حتى تجرعت مرارة الخيبة ومل الانتظار مني، أحيانا أقول طوبى لهواك وأحيانا أخرى أقول طوبى لي لأني تشبثت بك لآخر وهلة، أضعت مفاتيحي كلها محاولة إيجاد المناسب لبابك حينها أدركت أنني استنزفت طاقتي مستصعبة فهم أن بابك هو المغلق، فأدعس بأقصى نضجي وأضحك على خيبة أملي إلى أن دقت دواليب عبقربتي وسمت على مهجتي، يقال لو استجابَ الله لكل دعواتنا لندمنا على الكثير منها، ربما خيرٌ لَمْ تنله كان شَرّا لو أتاك.

فطوبى لي بربي عز وجل أغلق لي بابا ميؤوس منه وبدلني بما هو أفضل منه ولي من تجربتي عبر وحكم لم أكن ألتمسها قط، فهرولت نحو صحرائي القاحلة أستبدلها بذورا ناعمة جديدة وما أنا أزرع حتى تساقط مطر غزيز غطى ما بقي من دماري؛ أجل إنها أنهار مقلتي التي أحيت بصيص أملي وها أنا ذا جالسة أنظر إلى بذور حديقتي المتواضعة تنمو شيئا فشيئا وأنا كلي أمل، ويقيني أن خالقها قادر على إزهارها من جديد.

1xbet casino siteleri bahis siteleri