قراءة في كتاب: التافهون نظرة على أفكار مجتمع التفاهة لأحمد متراق

270

إذا أردت أن تعرف مستوى وعي مجتمع اليوم، راجع طوندونسه”، كان هذا أول ما صادفت من الكتاب -بعد العنوان والغلاف طبعا- ولا أنكر أن هذا الاقتباس قد شدني لقراءة الكتاب وأعطاني فكرة تقريبية عن ماهية أفكار التفاهة التي يقصدها الكاتب. كتاب “التافهون، نظرة على أفكار مجتمع التفاهة” لمؤلفه أحمد متراق، هو كتاب اجتماعي يعالج من خلاله الكاتب مجموعة من القضايا الاجتماعية والأفكار التافهة المسيطرة في مجتمعنا؛ حيث اعتبر أحمد متراق الكتابة وسيلة لبناء فكر ووعي ومحاربة الجهل والفساد في المجتمع، كما أنها بالنسبة له مغامرة وتمرد على الضوابط والمعايير التي يضعها المجتمع في تصنيف الأعمال الإبداعية.

الكتاب مقسم إلى قسمين وكل قسم يتفرع بدوره إلى مجموعة من الأفكار عبّر عنها الكاتب من خلال مقالات فكرية وقصص واقعية من محيطه، كل قصة تقرؤها تقف عندها وتعيش معها لأنها واقعية ولا بد أنك عشت مثلها أو عاشها أشخاص تعرفهم أو على الأقل سمعت بموقف مشابه، قصص بسيطة لكنها عميقة واقعية من مجتمعنا المغربي.

القسم الأول: أفكار التفاهة

هي أفكار التافهين في المجتمع الذين ينظرون للمرأة على أنها جسد فقط، ويحصرون قيمتها في مقوماتها الجسدية، ونسوا أنها أكثر من ذلك فهي عقل مفكر وذات واعية مثقفة هي فكر وروح لا جسد وشكل فقط، الذين ينظرون للعادات والتقاليد كمقدسات وجب اتباعها مهما كانت غير منطقية وليس لها أي سند ديني، هم أولئك الغارقون في الفراغ، الذين لا زالوا قابعين في مرحلة البحث عن الذات، الذين لم يفلحوا في انتهاز الفرص والتجارب وخوض المغامرات، الذين لا يملكون الجرأة في اتخاذ قراراتهم وتحمل مسؤوليتها، لم يعملوا ولم يقاتلوا من أجل تحقيق أحلامهم.

الذين ما زال عقلهم يدور في متاهة الجنس، والسلطة، والمال، أو كما سماه الكاتب خندق الثالوث المقدس، ينظرون للحياة بسطحية تُختصر في الماديات، متخليين في ذلك عن رغباتهم وما تشتهيه أنفسهم وسعادتهم الحقيقية في سبيل الصورة الخارجية ونظرات إعجاب الآخرين سالكين طريقا وإن كانت لا تناسبهم فقط لأن الآخرين سلكوه.

هي أفكار السكيزوفرينيا والتناقض في مجتمعنا حيث صار لكل واحد شخصيتان، الأولى هي تلك الشخصية الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، الشخصية الرائعة الجذابة حيث كل شيء مثالي ووردي، حيث العفة والأخلاق والقيم العالية، مثالية تجعلنا حقا نتساءل من أين جاءت إذن هذه الشخصيات الواقعية التي نراها في مجتمعنا بما فيها من سوء أخلاق وجهل وأنانية، نعم هذه هي الشخصية الثانية الواقعية الحقيقية بلا قناع وزيف العالم الافتراضي.

هي أفكار صناعة التفاهة، ثقافة الطوندونس والبوز، كلمات دخيلة لكني لا أظن أن أحدا منا بات يجهل معناها، أو يجهل حتى نوعية ما يتصدرها من فيديوهات وأخبار تافهة ذات مستوى متدنٍّ لا يزيدنا سوى التأكيد على مستوى الوعي المتدني والجهل المعرفي في مجتمعنا.

هي أفكار الاستغلاليين الذين يستغلون من هم أضعف منهم ثم يشتكون بعد ذلك من الظلم، المصابين بهوس السلطة والسعي للوصول لها بكل الوسائل مهما كانت متضادة مع المبادئ والقيم والمعتقدات الدينية والاجتماعية، يسلبون الحقوق من أصحابها ويعطونها لغير مستحقيها، الذين يرون الرشوة والفساد الإداري كظاهرة عادية متداولة بل وتسهل قضاء الأغراض الإدارية، لكنهم لم يفطنوا أنها دمرت اقتصادنا وهدمت قيمنا ومبادئنا.

هي أفكار الذين اتبعوا ثقافة القطيع حتى ما بقيت لهم القدرة على إنتاج أفكارهم الخاصة ولا القدرة على الإبداع ولا التمرد على أفكار القطيع.

القسم الثاني: أفكار نحتاجها

هي الأفكار التي نحتاجها لبناء فكر ووعي ومحاربة التفاهة والسفاهة في مجتمعنا، من خلال قصص كفاح -في الكتاب خاصة وفي حياتنا بشكل عام- نتعلم من دروسها ونتعظ، نستخلص العبر ونأخذ جرعة أمل، نحتاج أن نبحث عن حافز نضعه صوب أعيننا، دافع قوي يجعلنا نستمر ونحاول ونقاتل من أجل تحقيق أهدافنا، وأن نتقبل الخسارة فهي لا تعني الفشل، بل هي ضرورية للنجاح وهي أقوى حافز يدفعنا للاستمرار، تقوينا وتعلمنا الصبر وتصحيح أخطائنا كما تفتح أعيننا لننظر لأشياء لم نعرها اهتماما، نحتاج أن نعطي دون مقابل، وليس بالضرورة أن يكون العطاء ماديا فقد يكون من وقتنا وجهدنا، من حبنا وثقتنا، من أفكارنا وتجاربنا، بعيدا عن الأنانية والنظر للمصالح الخاصة فقط.

أن نُحكم الذكاء الاجتماعي في علاقاتنا وأن ندرج الحوار باعتباره أساس بناء علاقات إنسانية واجتماعية سليمة قائمة على الوضوح والصراحة والشفافية. أن نملك الحرية التي تجعلنا نستخدم عقلنا وننتج أفكارنا الخاصة بعيدا عن قيود المجتمع.

وختاما، برأيي الشخصي، هذا الكتاب هو فرصة لكل واحد منا ليقف مع نفسه ويرى نفسه داخل مجتمعه، دعونا نغير تلك الفكرة السائدة بأن المجتمع هكذا وسيبقى دائما هكذا، ما الذي سأفعله لتغييره؟ كل ما عليك فعله هو تغيير نفسك وأفكارك، وعندما يغير كل واحد منا نفسه فسيتغير المجتمع بالتأكيد {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ} [الرعد: 11].

هناك دائما أمل، نحن الطاقات الشبابية الواعية، نحن التغيير، لنرقى بوعينا بفكرنا ولنغير “طوندونسنا”.

1xbet casino siteleri bahis siteleri