ما جدوى دراسة التاريخ؟

171

ما جدوى دراسة التاريخ؟ هو سؤال يطرح دائما عقب الحديث عن التاريخ، على اعتبار أن أحداث الماضي تقادمت ولم تعد موجودة، وأنها لا تفيد الحاضر ولا يمكننا العودة لتصحيحها. من هذا المنطلق نستنتج أنه لا جدوى من دراسة التاريخ. لكن المفارقة العجيبة التي نلمسها في من يتبنى هذا الطرح، أنه بدون أن يشعر يتحول إلى مؤرخ يحكي وربما يكتب التاريخ بوعي منه أو بدونه. ترى ما السر في ذلك؟ هل يمارس التاريخ سحره على ذهن الإنسان؟ أم أنه يسكن وجدان الفرد؟ تساؤلات مشروعة والجواب عنها يتشعب لمواضيع متعددة، لكننا سنحاول حصرها لنضع تصورا واضحا للتاريخ والجدوى من دراسته.

تعدَّدتْ آراء العلماء في تعريف التاريخ لغةً، واشتقاق أصل كلمته، إلا أنهم اتفقوا على أنه “الإعلام بالوقتِ”، وحول أصل كلمة تاريخ تناسلت الأقوال بين قائل بأنها فارسية الأصل “ماه روز”، ومن يقول أنها عبرية الأصول “ياريخ”، ومن قال إنها مشتقة من اللفظ الآكدي “أرخو”، ومن جعلها مأخوذة عن عرب اليمن نظرا لاهتمامهم الكبير بالتوقيت. 

يقول السخاوي في هذا الصدد: “إنَّ أوَّل من أرَّخ يعلى بن أميَّة، وذلك أنَّه كتب إلى عمر بن الخطاب كتابًا من اليمن مؤرَّخًا، فاستحسَنَه عمر”. أضف إلى ذلك أن الأصمعي حين فرق بين لغة تميم وقيس قال إن تميم تقول “ورَّخت الكتاب توريخًا”، وقيسٌ تقول: “أرَّخته تأريخًا” وهي بذلك تكون كلمة عربية أصيلة.

وفي الاصطلاح هو فهم الماضي لدراسة الحاضر واستشراف المستقبل، وعند ابن خلدون هو “خبرٌ عن الاجتماع الإنسانيِّ الذي هو عُمْران العالم”، ويضيف أنه “في ظاهره لا يزيد على أخبار الأيَّام والدول، وهو أصيلٌ في الحكمة وعريقٌ”، فهو معرفة الدقائق والخصائص والمميزات عند ميشله.

لماذا ندرس التاريخ؟ وما هي الأهمية التي يكتسيها؟

للإحاطة بهذا الإشكال وجب علينا الانطلاق من واقعنا الراهن، لنتساءل هل نحتاج للتاريخ في حياتنا اليومية؟ قد يكون السؤال بليدا إذا ضيقنا زاوية النظر، لكن إذا تمعنا فيه بتروٍّ سنجد أن التاريخ حاضر في حياتنا دون وعي منا، فعندما تحكي لصديق مقرب عن أطوار عطلتك في نهاية الأسبوع، وتصف له أجواءها فأنت تمارس التاريخ. وعندما تستحضر مخرجات لقاء حضرته في الأمس فأنت تدور في فلك التاريخ وهكذا دواليك.

موضوع التاريخ ليس ما يريد الإنسان بل تصورنا لما يريده حسب تولستوري، وبهذا يصبح علما أساسي للحياة، ومنظار للبشرية جمعاء، ننظر به للوقائع والأحداث، والتجارب العابرة، بغية استنطاقها لنستفيد من نجاحاتها ونتفادى عثراتها. 

وقد كان العلم بنشأة الكون ومظاهر الحياة المختلفة مادة دسمة للتاريخ، وفي هذا السياق يقول غوبينو: “ليس التاريخ من عمل الجماعات أو الأفراد بل من عمل الطبيعة.” فهذه النزعة الطبيعة تجعل من التاريخ فنا طبيعيا وجد ليتعايش معه الإنسان “فلا تاريخ بدون إيمان بتاريخية الإنسان” كما يقول شاتله.

لنتجه إلى سؤال حارق لطالما سمعناه يطرح كنوع من السلطة التعجيزية في حق علم التاريخ، لكنه في حقيقة الأمر إشكالية تدغدغ العواطف وتستفز العقول، جوهرها سؤال مركزي مفاده كيف لنا أن نثق في الماضي والحاضر يزول أمام أعيننا؟ 

للوهلة الأولى يبدو السؤال منطقيا، يستند على واقع نتعايش في ظله، وتؤازره التحولات التي نلمسها في مجتمعاتنا. لكن، أليس من الرشيد أن نتعامل بمنطق علمي مع التاريخ، باعتباره علما قائما بذاته، له منهج، وقاموس، وقوالب إبستيمية دقيقة، وجب الاستناد عليها في كتابة الحدث التاريخي؟ 

طبعا هذا الكلام يلزم المتخصص، فهو الذي ينصاع لضوابط منهجية صارمة في حقل البحث التاريخي، ويُخضع الواقعة لمنطق المنهج التاريخي، بينما قارئ التاريخ لا يستحضر كل هذه التفاصيل الدقيقة، فهو يسلم بأن ما يعيشه في الواقع يتم تزويره في وسائل الإعلام. هنا نقف لنتساءل عن طريقة تعامل المؤرخ مع وسائل الإعلام، وحدود اشتغاله بالمادة الإعلامية؟ وهل المؤرخ يتسرع ويطلق الأحكام، ويحلل ويفسر الحدث في راهنيته؟ أبدا، فالمؤرخ لا يتسرع بتاتا في تناول الواقعة، لأن مجال اشتغاله هو الماضي، هذا الأخير مدرسة علمته أن الواقعة مهما كان حجمها، لها أبعاد زمنية طويلة قد لا تظهر منذ الوهلة الأولى لوقوعها، فلا يوجد أي تواد بين المؤرخ والمتنبئ كما يقول بيتر غييل. التقدم في كتابة التاريخ، يحصل في نقد النصوص واختيار الموضوعات حسب بول فيين، وهو الأمر الذي يحسنه المتمكن من صنعة التأريخ.

وهذا هو جوهر القضية، فالمستند لمقولة تزوير الواقع نظره يقتصر فقط على زاوية ضيقة، بينما المؤرخ يوسع زوايا نظره، فيقابل المعلومات، ويطابقها، ويحللها، ويربطها ببعضها، وبسياق وقوعها. وبهذا المنطق يكتب التاريخ ويصنع الحدث، وبهذا المنهج الدقيق ترسم الخطوط العريضة للواقعة التاريخية. فعوض الركون إلى خطاب تعجيزي، اللجوء إلى خطاب منهجي علمي يعطي لكل ذي حق حقه. 

التاريخ منظار الشعوب، وحاضن التجارب، وهو المنطق الذي علق به لمقريزي على مقدمة بن خلدون باعتبارها: “تخبر عن حقائق الوقائع والحادثات وتفسر الأمور كما هي”، فالتاريخ معيار قياس درجة الرقي عند الأمم والشعوب، وفيه إيصال لجانب الحقيقة.

إن ترسيخ القيم العلمية والتمتع بالحس النقدي هو الذي يؤهل الشخص للوقوف على التفاصيل والجزئيات، واستيعاب العلاقات الحاصلة بين الموضوعات المتفرقة وخلق ما يسمى بالفضول المعرفي، فالفكر التاريخي مبدع بذاته لأنه يحرر فعاليات الإنسان الاجتماعي من حدود الزمان والمكان، كما قال ديلتاي. هذا التحرر يكتسي طابعا إشكاليا، يولد رغبة للبحث عن الحقيقة مطلقة كانت أم نسبية.

وخير ما نختم به كلامنا، ما كتبه الروائي الفرنسي بروست في حق التاريخ قائلا: “كل ما أبعدته الفلسفة وهجره الفن، كل ما لم يؤسس على حق ثابت، كل ما كان عابرا ومع ذلك خاضعا لقوانين خاصة به، كل ذلك كان من نصيب التاريخ” فهو الفضاء الذي تلتقي فيه كل العلوم والظواهر فإذا كان المسرح أب الفنون، فإن التاريخ هو أب العلوم، وبدونه لا يحصل التمكن من إدراك دقائق الأمور.

1xbet casino siteleri bahis siteleri