أنت أمل حياتك

لطالما كانت البدايات هي الأصعب، كأن تستهل صفحة بيضاء في حياتك، أو أن تقف على حلم تحاول أن تجد من أين يبدأ، البعض وجد فكرة البداية، ومع أول خطوة لتحقيقها كانت الصدمة، ولربما صارت لعنة حياته، ليست الصدمة سببا للتخلي، ولكن، لعل الزهرة الجميلة التي نطمح بأن نتنعم بأريجها ستذبل سريعا بين أيدينا، صعب أن نفهم لم حُرِمنا شيئا، لم لم نصل، ألأننا دون مستوى معين أم أننا سعينا خلف ما ليس لنا؟ حينها نغرق في تفكير عقيم لا يأتي إلا بالويلات، فهل نتخلى عن أحلامنا ونرضخ للصدمات والنكسات وخيبات الأمل؟ وهل نكتفي بالقليل ونتراجع عن السعي نحو الأفضل؟ هل نستسلم؟!

يطول الحديث بينك وبين نفسك المكسورة، حديث يخلو من كل أكاذيب، تعلم جيدا ما وقع، غير أنك تحاول أن تراوغ فتخوض في حديث آخر يحلو لك وينسيك ما جرى، لكن بدون جدوى، نفسك تريد الاكتفاء وتريد جوابا صريح، هي لحظات ثقيلة، وإنها لا تمر حتى تكسر كل ما تبقى فيك، لحظات تتوقف الحياة فيها، تدرك حينها أن العديد من الأشياء بلا قيمة، وأن التفكير فيها مضيعة للوقت، وأنك وحدك في هذه الحرب وأنت من يجب أن يكمل الطريق، إن كنت حقا تريد أن تصل، ثم إن الله يُسَخر للعبد العون والسند ما دام العبد يتوكل على ربه ويوقن به ويعين غيره. تلك اللحظات وإن كانت قاسية قاتلة إلا أنها نافذة أمل وباب استدراك ومراجعة للنفس.

الحياة صعبة وقاسية، لا تهبك ولو لحظات حتى تستدرك بسمة كسرت رتابة شعورك، دون أن تبادلها ببسمة أجمل وأصدق، أو أن تفعل معروفا كان ثمنه كلمة طيبة انزلقت فوق لسانك عائدة إلى القلب لتحرقه على نار ثقة وشجاعة مفقودة، والحياة لا تعطيك ولو ثوان لتسبق حزنا أنت بالغه، أو أن ترسم شيئا لست بداركه، شيء يخيل لك أنه من سابع المستحيلات.. والحياة لا نعيشها فُرادا، وإنما هناك أناس حولنا لهم بصمة في قراراتنا واختياراتنا للعيش، فالصديق ذو الهمة والطموح هو قمر في طريقنا، والصاحب فارغ الحس بذيء الاختيار كحفرة حفرتها لنفسك وأخفيتها ولا تدري متى ستهوي فيها. الحياة ليست فقط غاية تنشدها، أو أن تسابق الزمن لتجد نفسك، فلربما ستجدها في غير ما ترجوه وتحبه، وإنما الحياة أن تصنع نفسك من نفسـك، وأن تفرش الأرض لحلمك قبل أن تخطو نحوه، فالزرع لا ينمو ويتكاثر على أرض لم تحرث.

ككل الأشياء الاعتيادية، يأتي الفشل ليأخذ وقته فيضجرنا ولربما ليغير مسير حياتنا. يقولون: إن الطريق السهل اليسير لربما هو طريق خاطئ، كأنهم اعتادوا أنهم لن يصلوا شيئا بدون تعثرات، فحين نحقق غاية ما وقد كابدنا الكثير؛ نشعر بمتعة ليس لها مثيل. ويقولون أيضا إن الفشل ليس نهاية العالم، وليس هناك داع للتحسر والانكسار، لكن لعل الناصح لم يعش مثل فشلك، فكم هو سهل أن تواسي مكلوما، وكم سهلة هي الشفقة لما نكون غير الذي اكتوى بالفاجعة. ويبقى للأحباب الذين وقفوا مساندين لنا بالقلب والدعاء، مكتفين بالحضور صامتين، الأثر الجميل في ذاكرتنا، الرائعين من فتحوا لنا بابا للأمل والحياة.

والأمل هو ذاك النور الذي يتراءى من بعيد، يخبرك أن طريقا لم ينته بعد، وأنه لا يزال أمامك متسع إن تداركت وتفانيت في خطواتك القادمة، الأمل كحبيب غائب، عشقه يملأ القلب والشوق إليه يدفئ الروح ويؤنسها، واللقاء بعد حين لما تترتب بِضْعُ أمور، بعدها يجيء ذاك اللقاء الشاعري الجميل، وأما إن انطفأ لهيب الشوق وتناسيناه، لربما لن نتذكر شيئا منه حين نلقاه. الأمل يجب ألا يموت فينا، فهو روح تتخللنا، إذا فقدناه فقدنا لذة العيش، جمال الحلم، ومعنى تحقيق غاية ما.

حلم وأمل ثم عمل، لا تعش في عبث وخواء، واصنع لنفسك هدفا تطارده، حتى لا تكون أنت طريدة الفشل والفراغ والخمول والكسل، واشغل نفسك بنفسك حتى لا تنشغل بالترهات والقيل والقال، وإنما انشغل بالفعل وتحقيق ما لا يخطر على البال، أو ما يُرى كأنه محال، فلا تتواكل وامض بثقة بربك، فالبداية أنت والحياة أنت والأمل أنت.