الجائحة رحمة

65

بعد أن انسل سُم هذه الجائحة إلى البلاد، بعد أن أغرق بُلادناً في حرب مع الزمن ليتداركوا الجحيم! سرت الجائحة في دروب وطني، تنشر الرعب والبلاء و تكشف الغباء! حالنا حال العالم أجمع، غير أننا لا نواجه حربا مع الزمن، بل مع ضعف الإمكانيات والأقبح حرب مع الجهل. أناس لا يملكون في هذه الدنيا سوى أعمارهم، يعكفون كل يوم في سباق لنيل رمق العيش، لربما لم يتنعموا يوما، لم يدركوا ماهية الحياة ولا جمالها، كيف يخيفهم فيروس لا يُرى ولا تدركه أبصارهم؟

لقد أخدت الحياة منحى آخر، تأجلت المشاغل، والدراسة ولربما تأجلت الأحلام! الكل تحاصره جدران منزله، لا خرجات للتنزه، لا رحلات لتغيير روتين الأيام والدوام، لا يمكنك حتى المشي لتريح أرجلك من الجلوس الممل. كل المرافق مغلقة، الحياة متوقفة إلى اشعار آخر! حتى المساجد أغلقت، لا صلوات تقام، لم يتبقّ سوى أذان يتيم يرفع. حتى أن الجمعة لم تعد جمعة، تلك الصلاة التي لا يتركها حتى المقصرون لم تعد، ذاك اليوم الذي تتسارع فيه الخطى لتدرك الركعات، أو الركعتين فقط صار غريبا بين سائر الأيام! اسأل أجدادك هل منهم من يتذكر زمنا لم تقم فيه صلاة جمعة، على الأرجح سيخبرونك أنه حدث في زماننا فقط! أفعلا هذا غضب الرب؟ أفِعلا تأجلت حياتنا وأحلامنا؟

كسائر العالم، كان الحجر الصحي مصيرنا، ثم إن هذا الحجر الذي ألزمتنا إياه السلطة، أوصانا به رسول الأمة؛ عليه أزكى الصلوات؛ قبل قرون، فمن يُعمل عقله قليلا، فإنه يؤجر على البقاء بين جدران بيته. غير أن درجات الإيمان تختلف، فبعض الأقوياء، الراسخون في الدين، كسروا الحجر الصحي ليصلوا ويهللوا بالشوارع، لربما تنزلت عليهم رسالة ربانية لا نعلم بها نحن عامة الناس! هذه حربنا التي نواجهها منذ قرون، حرب على الجهل، الكل يظن أن دولة تحبك مؤامرة ضدهم، لعل أشد فترة في حكم دولة هي مواجهة جائحة أو المهددين أنفسهم! بعض التعقل وجب استحضاره في مثل هذه المحن، لا بد من عين تبصر الأمل خلف كل هذا السواد الذي ينشر كل حين.

مقالات مرتبطة

إن هذه الجائحة رحمة الله لنا، حتى ندرك أن أكثر ما يفتك ويهوي بهذا البلد هو الجهل. أقل ما يمكن أن يفعله الفرد أن يكف حديثا لا يدري صُلبه، أن لا يُفتي! أن يكف عن نشر ما لا يعرف إن كان صائبا، أن يقرأ أكثر حتى يستوعب ما يجري! ثم إنه ليست غاية الآية الكريمة “إقرأ” أن تتهجأ، لكن أن تحارب جهلا، أن تكتسب عقلاً. أمة نزلت بها قنبلة ذرية، أول قرار التزموا به كانت غايته الاستثمار في العنصر البشري، في الإنسان. أقاموا قاعات للدرس في الخراب وبين شظايا القنبلة! ليس ليتعلموا القراءة، بل لبناء الإنسان، لبناء الأمة! فرد واحد واعٍ خير من ألفٍ متمدرسين جاهلين!

هذه الجائحة عرَّت سوء جهلنا، ودوما نقف على عين الحل، “لا يغير الله ما بقوم.” الكل يعرف الآية، لكن البعض القليل من يتخذ المجابهة والتغير سبيله في الدنيا، فالغالبية تستلذ رتابة الحياة وركوب نفس الموج! لربما هذه الجائحة رحمة الله لنا، حتى ندرك نعمة الفراغ، لنجالس أنفسنا، لربما نصالح ذواتنا، لندرك فعلا ما يجب تغييره، كم منا تمنى فترة يخلو فيها مع نفسه، فلم الضجر إذن! لنجالس الأهل، قد يَحدث أن نُصلح ذات بيننا، لنعيد دفء الحضور الذي صار باهتاً في زحام الأيام والمشاغل واكتفائنا بمجالسة الهاتف على أن نجالس ذوينا. هي رحمة المولى حتى نحيي روح التضامن، والتعاون و التآخي في شتى صوره، الدعم النفسي ونشر الأمل في النفوس، فلا ينفع ضخ مزيد من السواد، ولا يُعين التطير والتشاؤم في شيء غيرَ أن يُتعب صاحبه. ومن لم يجد أن يفعل شيئا من التضامن، وهذا أضعف الإيمان، فليزم البيت ولا ينشر الفأل السيء ولا الخبر الزائف!

الحياة لم تتأجل ولا الأحلام تأجلت، ولا دخل لنا إن كان غضب الرب أو غير ذلك، نحن لا ندري الغيب، انظر بعين متفائل شاكر، كل ما نملكه أن نحمد المولى على كل الأحوال، فهو القادر، الرحمن ذو العزة والجلال، هي فترة نعيد فيها ترتيب ما شتته الأعوام، ونعيد صياغة ما نريد، وما نرجوه في قادم الأيام.