انظر تجد…!

87

هي جملة طرقت مسامعي في إحدى حصص الدرس، وبينما أفسح الأستاذ لها المجال وحلقت في قاعة الدرس، وبينما أبدى الجميع إعجابه اللحظي بها، أبت إلى أن تشتت ذهني وأفكاري، وبينما أنا في عز التوتر للتحضير لأيام الامتحانات الطوال، قررت أن أبحث في ماهيتها. لست ممن يدرك الفكرة ويتخلى عنها بسهولة، تمسكت بها كما تمسكت بي، وخضنا الغمار في البحث عن دلالاتها ومكنوناتها…

“انظر تجد” هي عبارة ضمنها الكاتب والفيلسوف طه عبد الرحمن في كتابه فقه الفلسفة، وهو كاتب مغربي كما هو معروف أستاذ للفلسفة والمنطق سابقا. ومن آخر ما أنتج كتاب “ثغور المرابطة” أي مرابطة الفقيه والمثقف وهي رؤية فلسفة ائتمانية لتحرير بيت المقدس أولا، والأمة جميعا. من غياهب الجهل والتأخر والانحطاط…

مقالات مرتبطة

لقت هذه العبارة نصيبها من المؤيدين كما لقته من المعارضين، فهناك من أعرب عن اعتراضه في محاولة الكاتب لتقريب وتأصيل المفاهيم الفلسفية الغربية لتلائم خصوصية اللغة العربية والثقافة الإسلامية، كعلي حرب الذي يتعارض مع طه عبد الرحمن في مستويات الترجمة والتقسيمات التي قدمها، فعلي حرب يعتبر أن الترجمة التي أسماها طه تحصيلية، فهي اشتغال على نصوص الغرب وتحصيل ما غفلوه من التفكير وبذلك نجدد الفكر الفلسفي عموما، ونتوقف عن وضع حواجز بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية واليونانية، لكن في رأيي أن هذا التفريق يجب أن يكون؛ لأن المنطلقات بين هذين المجالين مختلفة اختلافا تاما. ويقول علي حرب أيضا في موضع آخر من كتابه[1]، أن تناول قراءة التراث الغربي هو إنتاج نص يختلف عن النص الذي اشتغل به وعليه، وبالتالي هذا لا يعني النسخ، لكن أظن والله أعلم أنه غفل غاية تمكين الذات للممارسة الفكرية، وأن القراءة الواعية للتراث هي القراءة ذات الاستراتيجية الأصولية السلفية، بحثا عن الصواب والأخذ به أينما وجد، والعمل بموجبه والتماهي معه.

1- التأصيل الدلالي لعبارة “انظر تجد”:

قلنا إنها من العبارات الشائعة لطه، ارتأى من خلالها إعادة ضبط ترجمة الكوجيطو الديكارتي، “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، والذي يعدها ترجمة حرفية سقيمة، وفي هذا الباب يقسم الترجمة الفلسفية إلى مراتب ثلاث؛ الترجمة التحصيلية أي الترجمة الحرفية التي تغلب عليها ألفاظ النص الأصلي، والتي يعتبر الكاتب أنها لا تحفظ أي خاصية من الخصائص التجديدية للفلسفة والتي تبقى على تعارض دائم مع هذه الأخيرة، والترجمة التوصيلية أي التي تفي بغرض الأمانة المضمونية والتي تفي ببعض الصفات التجديدية للفلسفة وترفع عنها التعارض من أحد أطرافها، ثم الترجمة التأصيلية أي الترجمة الإبداعية التي تتوخى التصرف في نقل النص الأصلي بما يتلاءم مع عبقرية اللغة المنقول إليها، حتى لكأنها تنفي بتأصيليتها عملية النقل وترفع عنهما التعارض الكلي؛ “لأن العبرة هنا ليست بالحكاية عن الغير، وإنما بتمكين الذات من الممارسة الفكرية”.[2]

وبينما نحن نمضي في الحديث عن الترجمة ومستوياتها لا ننسى أن طه عبد الرحمن قبل ذلك ربطها بمفهوم الفلسفة، وأن الترجمة ومستوياتها هي طرق لتحصيلها، وبالتالي فالفلسفة حسب الأستاذ هي نتاج إرادة إنسانية قررت إعمال العقل في تحصيل المعرفة بأسباب الوجود، وبهذا يقول إن الفلسفة شهدت انحدارا في الحضارة العربية الإسلامية، ليس بأسباب سياسية وإنما للإخلال بمقتضيات المنطق والاستعمال التداولي للغة العربية وللبيان العربي، أي ركاكة العبارة [3]، “هذا الموقف لا زلت ثابت عليه وأنا أشك فيما يقال من أن الفلاسفة اضطهدوا، وأنهم تعرضوا لمحن ومنعوا من إبداء أفكارهم بسبب جرأتها وجدتها وشذوذها عن المجتمع الإسلامي؛ فحقيقة الأمر أن الشذوذ لم يكن في جدة الأفكار، بل كان شذوذاً في العبارة لركاكتها، لأنها لم تكن تستجيب لمقتضى التعبير العربي؛ أما كون أفكارهم بلغت من العمق والجرأة بحيث إن المجتمع الإسلامي لم يستطع أن يتقبلها منهم وعرضهم لما زعم أنهم تعرضوا له، فهذا غير صحيح؛ فالخطاب الصوفي هو أكثر عمقا وأقوى جرأة حتى على العقيدة والفقه من حيث فهم الناس لهما، فلماذا لم يحاصر أهله كما هو حال الفلاسفة، بل كان تأثيرهم قويا جداً؛ ويرجع أحد أسباب هذا التأثير إلى أن الصوفية استطاعوا أن يستثمروا اللغة العربية استثماراً بليغاً ويوظفوا كل إمكانات التعبير الموجودة في اللغة العربية لينفذوا إلى سمع المتلقي وفكره وقلبه”.

إن السؤال الذي شوش ذهني، وجعلني أطرح آلاف الأسئلة في قول طه عبد الرحمن هنا، في إنكار المحن التي تعرض لها الفلاسفة، قد يكون لكلامه نصيب من الصواب في ركاكة العبارة وغيره، لكن هناك وقائع تاريخية تشهد على ما وقع لبعض الفلاسفة، هاك على سبيل المثال لا الحصر ما وقع للفارابي وابن سينا وابن رشد، أو هل يستثني يا ترى ويحصر بهذا القول فلاسفة العصر الحديث، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فمع قوله بصلابة قول المتصوفة إلا أنهم لقوا ما لاقى غيرهم من الفلاسفة من السلطة وبهذا نقول:

لماذا أنكر الفيلسوف طه عبد الرحمن تعرض الفلاسفة لمحن منعتهم من الإبداع الفلسفي، وإرجاع السبب لذلك للعبارة التي لم تكن تستجيب لمقتضى التعبير العربي؟

ولماذا فضل قول الصوفي على قول الفيلسوف؟ أليس الصوفي فيلسوفا وليس كل فيلسوف صوفي؟

الإبداع أو الإبداع الفلسفي خاصة، هو هم بلغ حد الهوس على حد قول الفيلسوف، والذي يجب ان يكون هوس الأمة وليس هوسه وحده، وصراحةً، فإن القارئ لكتبه، يرى مدى مناداته بذلك، حتى يمكنني قول إنه أبدع في المجال الفلسفي، ونظر له في كتاب من “الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر “، فلكي يرقى الإنسان العربي ويحقق الانبعاث من جديد لا حل له سوى ولوج باب الإبداع، أي الانفراد بشيء لم يسبق إليه أحد. أو اختراع شيء ما خال من التقليد، فالإبداع كما تصوره الكاتب يتضمن فعل الجمال، أي إنشاء الأشياء إنشاء جماليا، ولذلك كان اسم ((البديع)) اسما من أسماء الله الحسنى كما في الآية الكريمة {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [4]}، فكيف نتصور الإبداع في المجال العربي الفلسفي مع وجود الترجمة الخالية من الجمال كليا أو “الترجمات القبيحة”؟

وقع الإنتاج الفلسفي العربي أثناء توسله بالترجمة في التقليد، مخلة بمقتضيات الإبداع، لا ابتكار فيها ولا جمال؛ فتجعل من ركاكة العبارة استغلاقا للأفكار في الأذهان، ولذلك نظرية الترجمة لطه عبد الرحمن حصرت كل محاولات الترجمة العربية للفلسفة في المستوى الأول، أي الترجمة التحصيلية -الخاصة بترجمة التراث اليوناني وترجمة أرسطو مع ابن رشد الذي لا يعده مبدعا في هذا المجال- لأنها لم تراع المقتضيات العقدية واللغوية والمعرفية للآخر حتى يقدر على استيعابها.

إن الغاية من ذكر هذه المستويات الثلاث والحديث عنها، هو ارتباط عبارة “انظر تجد” بترجمة الكوجيطو الديكارتي، والذي يضمنه الأستاذ في المستوى الثالث من الترجمة؛ وهو الترجمة التأصيلية، لكن الترجمات التي قدمت لهذا الكوجيطو هو يضمنها في المستوى الأول-التحصيلية- لأنها وردت في نقل محمد محمود الخضيري لكتاب “مقال المنهج” لديكارت.

تخالف الصيغة الفرنسية الأصلية “Je pense, donc, je suis”، الصيغة العربية “أنا أفكر، إذن فأنا موجود”[5] من وجوه عديدة حسب طه عبد الرحمن:
-البنية الفعلية للأصل الفرنسي والبنية الاسمية للمقابل العربي.
-تناسب الأصل الفرنسي وعدم تناسب المقابل العربي.

 

2- الكوجيطو الديكارتي في الميزان.

إن المراد من عبارة ديكارت “je pense” هو فعل التفكير، أي التركيز على تحصيل التفكير للذات، أو قل وجود الذات المفكرة، وليس التركيز على وجود الذات كما جاءت به الترجمة العربية؛ “ولذلك فإن قول: “أنا أفكر” لا يصلح أن يكون نقلا للقول الفرنسي je pense”[6]”، فالتركيز على الذات ووجودها جاء في القسم الثاني من مقولة ديكارت؛ وباختصار فإن مراد هذا الأخير من هذه العبارة هو (أن التفكير يوصل إلى وجود الذات التي تفكر)، ومن هنا وضع الأستاذ طه عبارة “انظر تجد” وهي ترجمة تأصيلية للكوجيطو، والتي لم يشترط فيها مطابقة ما جاء به ديكارت.

هذه الترجمة التأصيلية للكوجيطو هي تصرف الكاتب وفق المكونات التداولية للمجال الإسلامي العربي، لغويا ومعرفيا وعقائديا والتي يجب مراعاتها في هذا النقل؛ فالتوصل إلى تلك العبارة كان عن طريق مجموعة من المقتضيات والقواعد:
في القسم الأول للكوجيطو الديكارتي “je pense” نجد:

-مقتضيات اختيار المقابل التأصيلي للكوجيطو: فلفظ (التفكر) غير مناسب لنقل مقدمة الكوجيطو لأسباب:

  • أولا: لسبب عقدي وهو أن لفظ (التفكر) اختص في الممارسة العقدية الإسلامية العربية بالدلالة على النظر في ظواهر المخلوقات وحدها لا في حقائق الخالق معها.
  • ثانيا: لسبب لغوي، وهو أن لفظ (التفكر) يقابل لفظ (التذكر)؛ وإن كان التفكر لإعمال العقل في الاستدلال فالآخر لاستعماله في الاستحضار، وبالتالي فالتفكر يؤدي إلى إنشاء وترقب سياقات خطابية تختلف عن السياقات التي تتفرع عن استعمال “penser”.
  • ثالثا: لسبب معرفي، وهو أن (التفكر) يلازمه معنى (الاعتبار)، ولا شأن لفعل “penser” بالاعتبار؛ فهو يفيد توجه الذهن للأشياء للكشف عن أسبابها الفاعلة فيها.
  • رابعا: امتياز لفظ (نظر) عن لفظ (الفكر) وذلك لامتيازه بالبعد الحسي والمعرفي مع عدم التفريق بينهما، فالنظر يقدر على الإيفاء بأغراض الفكر ويزيد عليها أغراضا استعمالية أخرى، بينما لا يقدر هذا الأخير على الوفاء بذلك.
    وبهذا يكون فعل (نظر) أقرب إلى أداء معنى الفعل الفرنسي “penser”؛ فأصبح المقابل التداولي العربي للجملة الأولى من الكوجيطو هو “انظر”

-في القسم الثاني للكوجيطو الديكارتي”je suis” نجد:
أن طه عبد الرحمن قد اختار هنا مفهوم الوجود كفرع يبنيه على الأصل -انظر-لمجموعة من الاعتبارات. فلغويا هو جامع لثلاث معان الطلب/الإدراك/ الحفظ، ومن الجانب الاصطلاحي سار وفق معايير عدة كالاستعمال والإفادة والاستنباط التي أفادت أن “أنا موجود” في استعمالها لا يمكن أن تكون الجزء الثاني لفعل الأول “انظر”. وهكذا خلص الكاتب لعبارة “انظر تجد” فهي الصيغة التأصيلية العربية للعبارة الفرنسية “Je pense, donc, je suis”.

إن الكوجيطو الديكارتي الذي أدى بطه عبد الرحمن لترجمته لعبارة “انظر تجد” تفتح باب الإبداع أمام المتفلسف العربي بما يزيد عن أصلها اليوناني اللاتيني، فالغرض الذي أراده واضع الكوجيطو؛ هو إثبات الذات مستنتجا إثبات الله والعالم، ولذلك فإن الترجمة العربية التأصيلية للأستاذ طه مكنتنا من القول: انظر تجد نفسك وانظر تجد الله وانظر تجد العالم وهكذا…

وأخيرا فنظرية الترجمة هذه الخاصة بطه عبد الرحمن مع الانتقادات التي لحقتها، هي نظرية غايتها إقدار المتفلسف العربي على التفلسف، “أي إكساب المواطن العربي القدرة على أن يتصرف في النص الفلسفي”[7].

وبينما بدأت الحديث بالملابسات التي دفعتني للبحث والكتابة في هذا الموضوع، وددت أن أختم بخاطرة بسيطة تبدي مدى ولعي وشغفي بالكتابة أو الأمر الإلهي الثاني بعد الأمر بالقراءة، والذي أُعرب على أنهم الحياة كلما سنحت لي الفرصة بذلك.

“أينما حط قلمي، يقطر حروفاً وكلمات
إن كانت متقطعة فهي ترسم ما تراه وما تعشيه،
وإن كانت متصلة فهي تكتب ما ترمي الوصول إليه،
سواء في ورقة امتحان لعينة،
أو ورقة عذراء ناصعة البياض،
هي فراشات مختلطة الألوان،
هي رسالة للقارئ وللمصحح وللعالم،
هي آراء ومعاني تجول في عالم الدلالات والإصلاحات،
في عالم الصراعات،
لها نصيبها من الصواب كما لها نصيبها من الخطأ والغفلة،
هي حروف بآلون الحبر الجاف الأسود،
هي عصارة قسوة الحياة،
هي مناجاة مجتمع متذمر.”

_____________________

[1] علي حرب، الفكر والحدث، حوارات ومحاور، دار الكنوز الأدبية، الطبعة الأولى، 1997، ص 224.
[2] ستجد هذه المستويات الثلاثة بتفصيل مطول في كتاب طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة، 1، الفلسفة والترجمة ابتدءاً من الصفحة 399، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995.
[3] يمكنك الرجوع إلى الإجابة عن سؤال الصحفي مالك التريكي في كتاب الحوار أفقا للفكر، طه عبد الرحمن، ص(69-70)، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى ،2013.
[4] سورة البقرة الآية 117.
[5] ذكرنا الأمر هنا باختصار شديد، لتوسع في ذلك يجب الرجوع لكتاب طه عبد الرحمن، فقه الفلسفة، 1، الفلسفة والترجمة ابتدءاً من الصفحة 410، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1995.
[6] المرجع السابق، ص413.
[7] كتاب الحوار أفقا للفكر، طه عبد الرحمن، ص77. الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2013.