تائه في السوشل ميديا

صباحي يبدأ بعد حرب مع منبه هاتفي، أطفئ لهيبها بنوم آخر في هاتفي وبين أذرع الفيسبوك والانستغرام، أنهض متكهرب الحال عابس الوجه، أبحث عن سوداء لعلها تعدل مزاجي الصباحي. في دوامي أسترق دقائق لملامسة هاتفي، كم مرة ضاع الوقت على أن أنهي شيئا لأني استلطفت حديث الانترنت.

غارق في صفحات، كم اعجابا نال منشورا ما، كم عدد التعليقات، ثم كيف كانت التعليقات! أغتاض من تعليق لم يعجبني، وأستغرب من سفاهة بعضها. وإن كنت أنا من وضع المنشور، فيغيضني إن لم يلقى الإعجاب الذي توقعته كما يغيضني من يتجاهلني الذي لا يجيب على رسائلي! أضجر إن لم اطالع آخر ما نُشر، غارق في هاتفي يخنقني شاحنه ويحرقني عطبه، محنة خلقت من وهم، آه كيف الخلاص!؟

أن تخفي تفاصيل وجهك خلف شاشة الهاتف منشغلا في الوهم، أن تحفظ نفسك من أن تُكشف بأحزانها وهفواتها. أن تحدث الناس بعيدا عن احراج تبادل النظرات وفقد الكلمات إذا ما نفذت نظرة إلى روحك! أن تجنب نفسك تقلُّب المزاج وناره على من حولك، اختفي وراء شاشتك فلا أحد سيدرك ذلك! كأنك في الكون وحدك، لربما البعض يرى أنه يحقق ذاته وتوازنه في وهم! كأن الهاتف أضحى وسيلة للسلامة النفسية!

لقد أتلفت نفسي، صارت تربكني الأحاديث الحية، عينا لعين وقلبا لقلب، لا أستطيع أن أرتب كلماتي كما أفعل وأنا خلف شاشتي، لا أستطيع أن أخفي استيائي أو بهجتي، عكس ما أجيده وأتقنه مختفيا وراء بوابة الوهم! حتى حديثي مع والدي وأسرتي الصغيرة فقدَ بعض جماله إن لم أقل كله. كم أود لو أن أعلِّق بملصقات كما أفعل في صفحات الوهم على بعض الأمور أو المشاكل، حتى أجنب نفسي عبء الحديث أو تفسير موقفي أو تبرير فعلتي! بل حتى بعض المشاكل نناقشها خلف الشاشات، لأن نقاشا حيا قد يفسد كل الود، ولربما يأتي بالقطيعة! كأن هذه السوشل ميديا أضحت وسيلة لفقد الهوية الشخصية، لفقد جمال الرفقة والانتماء لشخص أو لأسرة ما!

إن الإنسان فقد معنى الانتماء، لا خليلاً ولا رفاق وربما لا أسرة يتقاسم القلب معهم. الكل سُرِق من نفسه، أو عزل نفسه حفاظا على سلامته! حتى أضحت الأسرة مجرد شخصين التقيا ليعِفا نفسيهما، لا حباً زرعوه بين أرجاء البيت، حتى يرتوي كل طفل أو زائر من نقائه وحلاوته! حتى أن الصاحب صار مجرد وسيلة لتسلية الوقت وإن تخللت المشاعر تلك الرفقة، فقد تختفي فجأة! ثم يحضر الانشغال الذي يكون أحيانا إدعاء كاذبا لتجنب قول حقيقة مُرَّة. احفظ قلبك يا صاحبي ولا ترهنه لفاقد معنى إنسانيته!