تحب العفو

كثيرا ما نردد هذا الدعاء : ” اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني” وخصوصا في العشر الأواخر من رمضان تطبيقا لما وصانا به الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، إنما قليلا ما نتدبر معانيه الجمة ورسائله البليغة : نعلم جيدا أن العفو هو اسم من أسماء الله الحسنى، وأن العفو أبلغ و أعظم من المغفرة، فيه محو الذنب حتى من الكتاب ولا يسال الله عنه يوم القيامة، إنما هل نتوقف عند كلمتي : “تحب العفو؟” ألسنا نطلب من الله دوما أن يحبنا ويجعلنا من أحبائه، ألسنا نجاهد أنفسنا لنكون له كما يحبنا ويرضيه ويرضى لنا، ألسنا نحارب أنفسنا للتقرب منه بالأعمال الصالحات وبما يحب من الأعمال؟ فلماذا إذن نتناسى أن الله الكريم العفو الغفور يحب العفو؟ وأنه علينا أن نتحلى بالعفو في حياتنا الدنيا، بين إخواننا، أصحابنا، أقربائنا، جيراننا وسائر الناس.. جرت العادة أن نسمع كلمات عن المسامحة والعفو، لكن لسنا نطبقها كما يجب، لسنا نتحلى بخلق عظيم، وديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق وزينتها، وجمال الأرواح في آدابها.

في سورة النور العظيمة أنزل الله آية في سيدنا أبي بكر الصديق, مخاطبا إياه ب : “وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ حينما قطع صدقته التي كان يعطيها أحد الفقراء بعد حادثة الإفك الشهيرة، وهي حادثة ضربت في عرض ابنته وعرض أحب الناس إليه، خاطبه الله ب “وليعفو وليصفحوا” وإن عظم ذلك الخطأ الذي ارتكبه الآخر في حقك ليصل إلى التحدث بما لا يحتمله أب عن ابنته، لا تبخل عليه بعفو وصفح تتحلى به عملا ببعض من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى فيما دون ذلك، فكيف به وهو تكليف من المولى .. “ألا تحبون أن يغفر الله لكم” .. بلى. كيف وهو الله.. يغفر الذنوب إن شاء كيفما كانت إلا أن يشرك به، ويعفو عن كثير، نتكبر في الأرض ونستعلي وتأخذنا العزة بالنفس حتى لا نتسامح ونعفو عن ماهم دوننا، أو غيرنا بصفة عامة، ثم نطلب منه عزوجل ما لا نقتبس من نوره شيئا.. لم يكن عبثا قوله سبحانه: “فاصفح الصفح الجميل”، وقوله صلى الله وعليه وسلم في حق من كان يبيت الليل وقد سامح الناس أنه مبشر بالجنة، بل العبث أن نتخلى عن خلق ذو شأن عظيم كهذا، ونجهل فضل ومعاني العفو، وهو خلق يحبه الله الذي نسعى في حياتنا ليرضى عنا ويلقانا في أحسن حال لنا.

مقالات مرتبطة

قد أفلح من زكاها

من كل زاوية!

كن أنت كما أنت!

forgive

 

إن العفو ليس أن تقول “سامحتك ” لغيرك، ثم تذكره به في كل لحظة، وكأنك تمن عليه بتكبر ان قد سامحته، وليس العفو أن تغض الطرف عنه، وتغير تعاملك معه. إن العفو أن تمحو آثار تلك الحادثة من ذاكرتك، وتعوضها بشاشة، سماحة وحسن تعامل وأنت تتذكر أن ما تفعله هو في حد ذاته تقرب إلى الله لأنه يحبه.

كم سيغدو القلب صافيا، والروح وضاءة حينما ستتحلى النفس بالعفو والصفح، وكم ستقل المشاحنات التي لا توقد إلا العداوة بين الإخوة، وأكثر من كل شيء كم سيرتقي صاحبه درجات عند الله حينما يضحي في سبيله بما أوذي فيه، وهو لم يحسب أنه طريق من طرائق القرب من الغفور، وفي نفس الوقت وجه من وجوه السلام الذي دائما نبحث عنه.. لا أقول أن اتخاذ العفو حلية أمر سهل، ولا حتى باقي الأخلاق الحميدة، إنما علينا أن نتذكر دوما أن رسولنا عليه الصلاة والسلام بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وأن تحسين النفس والاقتداء به والتماس شعاع من انوار صفات الله عزوجل هو إيمان وأننا نحب الله، نحب أن يعفو عنا وهو الغفور الرحيم، فلنعف ولنصفح الصفح الجميل.

1xbet casino siteleri bahis siteleri