تفاصيل صغيرة

كم تغنى الشعراء بالتفاصيل الدقيقة التي قد نعشقها في أحبائنا، وكيف يمكن أن نتذكر طريقة إمساكهم الأكواب، ووقت رفعهم لحواجبهم وكيفية أكلهم وشربهم، ما يفضلون في لباسهم، وما يحبون في ألوانهم وكيف تلمع أعينهم.

ولكن كذب الشعراء في هذه أيضا، فتلك الحالة ما هي إلا حالات عايشناها في مسلسلات، وكيف أن الأبطال تتذكر العطور والأحضان، وكيف يسترجع الناسي ذاكرته عبر مراحل مستذكرا الكلام، واللمسات والرقصات، متأثرا بموسيقى ولحن محبوب. ولكن هيهات هيهات، فالأحداث في الواقع تجري بسرعة البرق، غير متباطئة نظراتنا ولا طويل عناقنا، وليس الاعتراف بالجميل يطول تأثيره معنا.

ما يحدث ينسى ولا أحد يدقق في أحد إلا لغيبة أو لسوء ظن. بالمحبة لا ننظر سوى لطفل رضيع، ولغير ذلك لا نقف لنتأمل وجها ولا موقفا ولا حدثا.

حياتنا هرج وبحر، نحن الموج الغاضب فيه. أمهاتنا لا تتأملنا كما في الصغر، فهن منشغلات بما هو أهم، بتهييء ما يسد شهوة الفم، وٱباؤنا متعجلون لجلب خبز مقابل لذة نوم، هاته بتلك.

إخوتنا مسرعون لتأمين مستقبل غر ينافسون في طريقهم ابن الخال والجار والعم وتاريخ الجد. الكل يلهث، والطريق طويل والقاطرة مملوءة. في كل رحلة يصادف مسافر مسافرا جالسا في مقعد ما، ولكن لا رفيق طوال الطريق. في كل باحة، محطة عمر تتغير فيها أشياء كثيرة ويحس فيها الإنسان بضغط أكبر.

القطار يسير والمسافر يتمتم، يجب أن أتكاثر قبل أن يزورني السبات، ومن أجل ذلك يجب أن أعمل وأدخر المال…نعم المال، بأي وسيلة!

فلا يهم رفقاء السفر المصدر، لا يهم أحدا التفاصيل: ماذا فعلت؟ كيف أحسست؟ ماذا أذنبت؟ هل بكيت؟ في أي وقت انهزمت؟ متى ضحكت؟

لا يهمهم حجم فرحتك التي شعرت بها حين تبت، ولا يهمهم تفاصيل ندمك حين تسرعت، ولا يهمهم لماذا سرقت؟ وكيف سرقت؟ ولا يهمهم كم هاتفت الموت تستعجله لحظة ضيق، ولا يهمهم مناجاتك في الليلة الظلماء…

وهذا الأمر سيان عند القريب والبعيد، فلن يرى أبناؤك تقوس ظهرك إلا بعدما يزداد ألم فقرات عمودك، ولن يلاحظوا دورة حياة بشرتك، لن يلمس أحد يدك ليسير معك ببطء في مثل هذا الهرج؛ لأنه ببساطة واحد من المتعبين الكادحين الذين يجمعون الأغراض، والروح تذبل بعد تحصيل كل غرض وبريقه يخفت بعد امتلاكه. ولن تحلم بمن يسألك عن تفاصيل الحدث، لأن ما يهم الجمهور هو اللقب. أأنت منهزم أم منتصر؟ ولا أحد يود أن يكون منهزما؛ في حين نعجب بالمنتصرين ولو كان جوفهم فارغا.

ولأنه في بعض المسائل لا يوجد منطقة وسط، فإما أن تكون شخصا رابحا ولا يهم كيف، وإما أن تكون خاسرا ولن ينصت أحد لتبريراتك ولأعذار تأخرك. فالأهم ألا تتوقف، فالركض سائر والتفاصيل وهم.

لا نود معرفة بعضنا وليس للعبيد وقت ليفهم بعضهم بعضا؛ فهم في الخندق مشغولون ومتى وافت المنية أحدهم دفنوه وواصلوا الحفر.

فالدود أولى بتفاصيل جسمه وتقاسيم وجهه، بيده اليسرى التي كان يضع بها ٤ معالق سكر، برجله التي كان يهزها هزا حين يخاف ويخجل، بالشامة التي في فمها من الجهة اليمنى التي كانت تشع بعد أن تتبرج، وبشفتيه اللتين كان يضمهما بمقدار حبة كرز حين يعاند، وبمقدار ٣ كرزات حين يضحك.

ستتأمل الشعر المجعد الذي كان يتعبك في كل صباح بعد أن يتحرر من منديل سجنته فيه طول الليل، ستفعل الدودة كل ذلك بتفان وإتقان، من دون أن تنسى أي تفصيلة من جسمك لم يتأمل جمالها أهل عاشرتهم قرابة نصف قرن.

ولكن فات الأوان، تفاصيلك الٱن ليست سوى وجبة لدود. هي تسير وفق ناموس يقضي بتحليلك جثة هامدة بعد أن عشت جثة لاهثة، ستنخر كل جميل بعدما لم تستمتع في تفكره وحبه.

في خضم هذا الهرج، وبعد أن تعبت من الجري وراء بريق زائل، لم تحصل وراءه سوى سعادة زائفة لم تجن سوى كلل وظللت مستهلكا تلهث وراء سراب إلى أن فات الأوان.

فيا صديقي، قفا نسترح من هذا الركض ونصلح ما فسد، فحتما مآل التفاصيل الخارجية للدود، وإما النوايا لخالق الخلق والدود. فهو من يدري ماذا؟ وكيف؟ ولماذا؟ وكل ما هو أدق من هذا. فاركض وأصلح سريرتك، أما ظاهرك فإشهار قابل للتسويق.

فيا صديقي، لست على ما يرام فهون عليك.
استرح حتى يضحك الثغر ويزهر القلب ثم عاود الركض.