جولة في شوارع ديلهي

1

الطريقة التي يجب للزائر أن يتعامل بها مع الحياة في ديلهي وفي كل المدن الهندية الكبرى إن أراد أن يطيب مقامه فيها، هي نفسها الطريقة التي يجب أن يتعامل بها الإنسان مع الحياة بشكل عام … نيو ديلهي، عاصمة أكبر ديمقراطية في العالم، ممتلئة عن آخرها بكل أنواع وسائل النقل، 25 مليون كائن بشري، ناهيك عن مختلف الحيوانات … الضجيج يشكل جزءاً من المنظومة الصوتية والحركة العشوائية للدراجات النارية والهوائية والسيارات والبقر والكلاب والمارة مما يوحي لك بأنها منظمة بإحكام، حيث أنّي لم أشاهد أي حادثة مرور أو سائق يتذمر أو يصرخ في وجه الآخر طوال مقامي هنا.

العشوائية المنظمة وسيمفونية الضجيج هما المهيمنين على عاصمة ثاني أكبر بلد في العالم من ناحية عدد السكان بمليار ومائتي مليون نسمة، أما الزحام الشديد فهو القاعدة وليس الاستثناء، بالإضافة إلى التنوع البشري والحيواني الذي تشهده هذه اللوحة الفنية التي تذكرك بلوحات سالفادور دالي الغريبة … تتمعن في هذه اللوحة التي تمزج السيخي بعمامته الكبيرة ولحيته الطويلة بالهندوسي الذي يضع نقطة حمراء بين عينيه بالبوذي الذي حلق كل رأسه بالمسلم الذي يمشي بقميصه الأبيض بالمسيحي الذي يضع الثالوث على صدره، وقد تبصر بقرة تتبختر وسط الطريق بجنبها كلب نائم، وعلى أمتار تجد خنازير تأكل من قمامة يقف عليها غراب، وقد ينضاف إلى هذا المنظر في مدن أخرى بعض القردة والفيلة.

26975_10253
ديلهي القديمة

شوارع ديلهي القديمة ضيقة يصطف على جنباتها مختلف أشكال الفقراء – الهند تأوي ثلث فقراء الأرض -، وبائعي مختلف أنواع المأكولات والتوابل، ويمشي فيها الغني بجنب الفقير وقد يتجاذبون أطراف الحديث في أحد أركان الأزقة وكأن تلك السنوات الضوئية من الطوابق الاجتماعية لا تفرق بينهم.

ديلهي تذكرك بتقلبات الحياة. تذكرك بأن كل ما تستطيع أن تفعله وسط زخم الحياة وهرجها ومرجها هو ضبط النفس والاستمتاع بها على طبيعتها المتغيرة والضحك على غرابتها والتركيز على كل لحظة من لحظاتها، لكي لا تمر الحياة في التسخط والجري وراء سراب الكمال.
وددت لو دامت رحلتي في الهند لمدة ستة أشهر إلى سنة لكي أتمكن من اكتشاف ولاياتها ال 29 وأفهم كيف ل 40 فالمائة من سكان سابع قوة اقتصادية وأسرع معدل نمو اقتصادي في العالم أن يعيشوا تحت عتبة الفقر الأدنى، وكيف يعيش هذا المجتمع الذي تقل معدل أعماره عن 25 سنة والذي يتكلم 16 لغة رسمية والذي يعتنق ست ديانات أساسية بالإضافة إلى مئات اللهجات والمعتقدات، كيف يتعايش في ظل هذه الاختلافات الدينية و العرقية والثقافية في مختلف هذه الولايات وفي ظل الفقر السائد وقسوة العيش التي تخيم على هذا البلد.
تزامن وصولنا إلى دلهي مع ذكرى المولد النبوي فكانت تلك فرصتنا لكي نحيي هذه المناسبة مع مسلمي الهند، الذين يشكلون 15‎%‎ من المجتمع الهندي، أي 185 مليون مسلم وهو نصف عدد مسلمي الدول العربية وثالث أكبر تكثل للمسلمين بعد إندونسيا وباكستان، بالذهاب إلى أكبر مسجد في العاصمة “المسجد الجامع” الذي يمزج بين رصانة المعمار الإسلامي وإفراط المعابد الهندوسية والذي بناه شاه جهان باني تاج محل في أگرا والكثير من التحف المعمارية الأخرى في الهند.

20161212_155026-01
صورة للمسجد الجامع بعدسة مهدي بنصري الذي رافقني خلال هذه الرحلة

كنت أحاول أن أكتب عما يدور في مخيلتي وما أحس به في دواخلي في أولى ساعات هذه الزيارة وفي كل مرة كنت أشعر بالعجز … ولكي لا أحمل الكلمات ما لا طاقة لها به أبدأ بالتصوير، لأن الصور أبلغ من الكلمات وأسهل في إيصال الأحاسيس والمشاعر والمعاني والرسائل من نظم الكلام والسرد والحكي … فأترك فترات العجز ونفور الكلمات وآخذ مصورتي كي أخلد بها هذه اللحظات حفظا لها من الضياع. الممتع أن الهنود لا يمانعون من أن تلتقط لهم من الصور ما تشاء وكيفما تشاء ومتى تشاء بل هم من يأتون نحوك يطلبون منك ذلك ويأخذون معك الصور ويمشون وهم فرحين … هذا البلد حلم المصورين والكتاب والباحثين عن جمال الروح والطبيعة … هذا البلد لا مثيل له على الإطلاق.
بعد الإنتهاء من زيارة هذه المعلمة المعمارية الإسلامية، أخذنا الريكشة المعروف بالتوك-توك الذي يزركش الهند بخاصية أخرى تميزها وتسرع التجول في شوارعها المكتظة، لنتجه إلى سوق التوابل في أرض التوابل كما كانت تسمى الهند سابقا، ثم إلى مسجد نظام الدين أولياء لنكمل الاحتفالات بذكرى المولد النبوي في جو صوفي يحضره غير المسلمين كذلك، وهذا شيء عادي في هذا البلد الذي يحتفل فيه الكل بأعياد الكل.

هذا التعايش الذي لمسناه منذ أول وهلة والذي استشعرناه في كل مناحي الحياة في هذه الأرض متعددة الثقافات والديانات والتوجهات هو السر الذي حيرنا وحرك فينا الرغبة في اكتشاف فلسفة عيش الهنود في مدن وولايات أخرى بعيدة عن ضوضاء وفوضى ديلهي … فإن كان “البديل الوحيد للتعايش هو التناحر” كما قال أول رئيس وزراء هندي بعد الاستقلال جواهر لال نهرو فإن البديل الوحيد للتناحر الذي يميز مجتمعاتنا هو تعلم فن التعايش ولنا في مدرسة التعايش، الهند، دروسا طويلة وحكما بليغة استقيناها من ديلهي وجايبور وأكرا وفاراناسي وريشيكيش وماكلاود گانج وأمريتسار