خيانة مشروعة

التبرير، حرفة لا يتقنها الجميع؛ تجعل الحق باطلا والباطل حقا وتغلف الكذب لتلبسه ثوب الضرورة بل ثوب الشرعية أحيانا. فهل من الممكن أن يكون الكذب مشروعا والخيانة جائزة والنفاق مباحا؟ كيف لنا أن نبرر الخيانة مثلا؟ كيف لفعل بهذه الشناعة أن يصير مستباحا بل غاية فضلى؟

يبقى الحق في الخطأ مكفولا اعتبارا للطبيعة الإنسانية وما يشكلها من عقد متراكمة وإحباطات متتالية ونجاحات غير منتظمة، مما يجعل الزلة خاصية بشرية لا نقاش حولها، لكن ما الذي يجعل من ذلك “المولود الشرعي” أي الخطأ “طفلا غير مرغوب فيه” وسببا في تدمير الكثير من العلاقات؟

مقالات مرتبطة

لا شك أن شرعية الوجود لا تعني بالضرورة شرعية الاستمرار، وهي الحالة مع الخطأ، لا غبار على مشروعيته، لكن الخطر في تبرير استمراره وإعادته ثم التعود عليه، فالتعايش معه ليصير الامتناع عليه هو الخطأ الجديد.

في تعاملنا مع زلاتنا وزلات الآخرين لا بد من استحضار كل الظروف والملابسات التي طبعت تكوين شخصية مع من نتعامل، وكذا التجارب التي ميزت هذا المسار وموقعه داخلها، ليس محاولة لشرعنة الخطأ، لكن أساسًا لوضعه داخل نسقه إن جازت المقارنة، فالخطأ كأي جريمة، وقبل البحث عن المجرم وتوقيع أقصى العقوبات في حقه لا بد من فهم ملابسات الحادثة والدوافع التي وقفت وراءها، أي الركن المعنوي للجريمة.

بعد كل هذا العمل الذهني والاستقصاء، تقف حائرا أمام بعض الممارسات أبرزها الخيانة التي لا تقتصر على الخيانة الجسدية، بل الخيانة كسلوك يستغفل الآخر ويحتقر ذكاءه لحظة الخيانة ذاتها، وبما أن كل كذبة لا تستطيع العيش مفردة، فإنها تجر كذبات أخرى لتصير علاقة مغشوشة يملؤها الخداع والمكر. واللحظة الثانية هي لحظة المواجهة حين تسقط كل الأقنعة وتبدأ التبريرات في الانهمار موقعة أثرا ربما أكثر من الفعل نفسه.

الخطأ والتبرير توائم تؤثت كيفية تعاملنا مع الأزمات، لكن الأهم هو أن نجد من يتكلف بمجهود التبرير عوضا عنا قبل محاسبتنا والحكم علينا، على أن يراعي التبرير الذي يقدم ذكاء الآخر وأن لا يتحول لخطأ جديد يوسع الشرخ ويباعد المسافات أكثر !