سفر من ورق

بدأت السنة في الكعبة، أتمم أخيرا حجة طال تأجيلها تأففا و تهربا لتتحول هذه الرحلة من شعيرة فارغة إلى لقاء مع الذات وتأمل للنفس عما غفلت عنه. لا طير إلى أرض السافلين، أرض تحمل من الأسرار ما خفي عن كثير، أرض تزال فيها الأقنعة ويبهث فيها من كذب، تنقلني عربة بين سبع عوالم خفية تصير سافلا من السافلين في كل منها حتى تنتهي منها لتعلو إلى أرض النور، أترك العربة وصالة الانتظار لأطل من نافذة غوستاف على جماهير ساذجة لا تميز بين الحق والباطل حين التعاطف.

أرى جماهير عاطفية بالدرجة الأولى، سريعة التأثر تحرض بالصورة وبالتكرار، جماهير سريعة الانفعال لا تخضع عاطفتها لميزان العقل وتنتصر لأي قضية فقط مسايرة لعقلها اللاواعي. لا غوص بعدها إلى أنفاق تحت الأرض بحثا عن مركز الأرض مرافقة بروفيسور ليدنبروكو وابن اخيه اكسيل في سفرهما.

بعد هذا السفر الطويل؛ جلست مستريحة ٱكل فستقا مملوءا بالدرر، كل فستقة تحتوي من تجارب الحياة ما يستملحها. بعد كل هذا الاستملاح، استطعم حلقي مرارة من مرارة عيش سجناء لا ذنب لهم غير جهلهم لمهمة لم يحق لهم السؤال عن تفاصيلها؛ لكونهم مرؤسين، ليذوقوا عذابا وتجويعا وإرهابا في سجن أقرب إلى المطمورة من الزنزانة، يموت أفرادها تباعا مع معاناة تتشابه نهايتها ولكن يدمي تفاصيلها العين.

مقالات مرتبطة

فصبر جميل حتى جاء الفرج بعد عشرين سنة، فرج غير مكتمل. فرجت عليهم كما فرج على بلال الذي أنقذه عمر لأكمل الرحلة بين مكة وأمريكا. تشابهت الأسماء ولكن تباينت الرزايا؛ فبين بلال حبشي عانى الرق ليصبح بطلا وبين بلال الأمريكاني الذي ابتلي بالسرطان الذي بفضله قرر عيش ما تبقى من حياته بسعادة واطمئنان حتى شهد الفلم مع كاتبه أمجد. لتكون الشيفرة بينهما أن التوكل واليقين بالله مقاومة تعطي للحياة طعما. ودع بلال أمجد وأمه والدنيا ولكن وداعا استعدينا له مع فهد الذي تعلمت معه بالخصوص قول وداعا برقي تودع فيها ما تريد، ولكن وداعا تترك معه الألم والأحزان. فقلت وداعا بصبر ولم أكثرت بما مضى. تركت الأحزان والأحباب وأحسنت وداع بلال وفهد، لأتفرد بما هو أعظم منهما من هو أحق بالعبادة والشكر والحمد.

اعتزلت الخلق لأستأنس بالخالق وصفاته لأدرك أنه الله لا لعبث بل لأنه اللطيف، والرزاق، والشكور، والودود، والرحيم والحفيظ؛ صفات ظهرت في كل ما غفلت عيوننا عنه وفي كل ما تعودت حياتنا على وجوده. بعد رحلة التأمل هاته، أثار انتباهي طائرة ورقية يديرها طفلان صديقان أمير وحسان كبرا ليكتشفا أنهما إخوان بعد أن مات من مات وتعب من وطأة الضمير من تعب.

انتهت رحلتي في أفغانستان، البلد الذي شهد إنسانية أنقدتها طائرة من ورق، تركت أمير يلاعب ابن اخيه مكفرا عن ذنبه مع حسان، لألتقي لأول مرة منفلوطي مصر، أنصت لعبراته ونظراته وهو يصف تبدل قيم وأمم ببلاغة ورقي. حييته بأدب جم لأكمل المسير حتى استقر بي الحال الٱن في وادي العيون مستأنسة مع متعب الهذال في مدن من الملح طال بنا في واديها المستقر. فسفري كان طويلا من مكة إلى تزممارت إلى أمريكا إلى أفغانستان إلى مصر إلى وادي العيون استظل الٱن وارتاح. ترى كم سأبقى هنا وأي قافلة سأتبع بعدها؟ بهذا الترتيب سفرت وبهذه الأحداث شغلت، فمن يخبرني بالمحطات التي عبرت؟