عن روح المبادرة فينا

337

على مدار أربعين ألف سنة التي قضاها الإنسان الحديث على سطح الكرة الأرضية، لربما كان السؤال المحوري أو بالأحرى السؤالين الأساسين اللذين طرحهما الجنس البشري عبر التاريخ وبقوة وشغلا تفكيره، كيف بدأ كل شيء؟ من أين أتينا وإلى أين نحن ذاهبون؟

إنهما اللغزان الكونيان اللذان يكمنان في قلب التجربة الإنسانية.

في كتابه الأخير “الأصل”، حاول “دان براون” الكاتب الإنجليزي، الإجابة عن هذين السؤالين بطريقة فلسفية وعلمية، بادئا من نظرية داروين للتطور ومنتهيا بآخر ما جادت به التكنولوجيا الحديثة والمتمثل أساسا في الذكاء الاصطناعي.

إن الإجابة عن ماهية أصلنا ومآلنا هي ضرورة ملحة لأي كائن بشري فضولي يهتم بالأحداث الصغيرة قبل الكبيرة، إلا أن الإجابة عن هذين السؤالين تكمن في تجارب وأبحاث عديدة كانت ولازالت قائمة ليومنا هذا للمحاولة بشكل أو بٱخر الوصول لأقرب وجه للحقيقة.

ما رأيكم إذا تركنا هذين السؤالين الوجوديين، تاركين لأهل العلم والاختصاص البحث والخوض فيهما وانفردنا نحن بالإجابة عن سؤال ٱخر؟ سؤال ربما تكون الإجابة عنه إجابة فردية أو شخصية متعلقة بالفرد الواحد، عكس الإجابة عن سؤال الأصل والمآل المشتركة والجامعة والتي تصلح لجميع الأفراد البشرية على اختلاف الأزمنة والأمكنة. فلنسدد نحن الرؤية عن أهم شيء يوجد ما بين الأصل والمصير. فلنهتم بالحياة التي عشناها ولا زلنا نرتع بين ثناياها.

هنا ينتقل النقاش إلى ساحة جديدة، هي ساحته الحقيقية، وهنا يطفو على سطح النقاش أسئلة بسيطة وبديهية في ظاهرها معقدة ومرهقة إذا ما حاولنا الإجابة عنها، ما الحياة؟ ما دونا فيها؟ وما هي مهمتنا الأساسية؟ وما الغاية من وجودنا؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة التي تبدو في ظاهرها كما قلنا بسيطة، يعطي مفهوما ومعنى ٱخر للحياة والوجود، معنى يتربع على عرشه مفهوم الشغف، وهنا مربط الفرس ومحور النقاش؛ فالشغف هو محرك الحياة ووقودها هو بوصلتك في هذه الحياة، التي إن لم تحدد وجهتك فيها فلا نجاة لك، الشغف هو ذلك الشيء الذي يمتلك أواصر الإنسان فيزيد من إصراره ويشجع طموحه وطاقته التي سخرها الله لعباده ليروا الألم لذة وهم صاعدون سلم النجاة والنجاح. وبما أن مسالة الشغف مسألة نسبية تخص الفرد وحده دون الجماعة، فما يجعل لحياتي معنى وما يسعدني ليس بالضرورة أن يتبناه ويستحسنه الجميع. وهذا أمر صحي لا نقاش ولا جدال فيه.

بالنسبة لي ظلت فكرة البحث عما يحفزني ما يحيي في بذرة الشغف وما يسبغ علي الرضى والانبساط والانشىراح، تلازمني كضيف ثقيل لا يريد الرحيل، لازمتني الفكرة في جل أعمالي، فاتحة لي المجال على أسئلة أكثر دقة من ذي قبل.

مقالات مرتبطة

ما الذي يجعل الحياة مثمرة؟ ما الذي يستطيع الإنسان أن يضحي من أجله بوقته وجهده وماله في سبيل تحقيقه؟ ما الذي يجب فعله من أجل الٱخرين ومن أجل أنفسنا أيضا؟ وهنا نفضت الغبار عن عقلي الذي أضنته رتابة الحياة وتحديت تقاعسي للبحت عن ضالتي، التي لم اجدها وانا أحاول إقناع تفسي بمحاكاة الٱخرين في أعمالهم واهتماماتهم.

والٱن بعد تجارب عدة وبعد إجابات عديدة، يمكنني القول إنني وجدت كل ما يروقني وما يضيف لحياتي معنى، ما يجعلها مثمرة، متمثل وبقوة في المبادرة. مبادرة فعل الخير والعطاء المزروعة فينا، القابعة في فطرتنا السليمة والتي ما إن تب قليلا حتى تجدها متجذرة في أعماقك.

كان الحظ حليفي أن شاركت ولا زلت أشارك مع أنبل شباب وشابات حاضرة المحيط، مع مبادرين ومبادرات لم تلههم تجارتهم ولا أعمالهم عن فعل الخير والعطاء المتواصل تحت لواء جمعية مبادرة للعمل الإنساني.

تجربتي هي تجربة كل شاب وشابة مارسوا العمل التطوعي ووجدوا ضالتهم المفقودة فيه، وجدوا فيه الرضا والقناعة، وتحلوا بالصبر والشجاعة والمثابرة، أبانوا فيهم على مواقفهم النبيلة، وعروا فيه عن جانبهم الروحي الطيب الذي غطاه غبار الحياة المادية.

تجربة يغلب عليها نكران الذات والتسامح والإيثار، تتحلى فيها بالصبر والجرأة وروح المغامرة، تجربة تجعلك صادق مع نفسك محدد لأهدافك ومعزز لقدراتك.

حقيقة لم أجد إلا الخير في هذه التجربة البسيطة التي قلبت موازين تفكيري وأثرت في شخصي، وأفضت بي إلى دروس وعبر سرمدية ما كان للفرد أن يجدها لولا روح المبادرة المزروعة فينا.

واختم كلامي بقولة للسيد جلال اعويطا تلخص ما سبق ذكره: “الجامعة لا تكفيك فيها الشواهد، لا تصنع منك إنسانا، لكن العطاء يفعل ذلك.”