لماذا نقرأ؟ وكيف نختار ما نقرؤه؟

القراءة هي الخطوة الأولى في سُلّم المعرفة، والكتب التي نقرؤها تقدم لنا جزءا من معارف كُتَّابها وتجاربهم، وربما تلخص لنا أحياناً خبرة حياتهم. ومن ثم، كلما قرأنا أكثر كلما زادت معرفتنا وكبُرت خبراتنا واستفدنا من خبرات من نقرأ لهم.

قد يعتقد البعض أن القراءة تنحصر فقط في الكتب والمقالات وكل ما يضم الكلمات والحروف، لكنها أعمق من ذلك. القراءة هي أن تنظر لما حولك وتستنبط منه المعرفة بشتى الطرق، أو بمعنى أشمل، هي فهم حيثيات الأمور ومقارنة المعارف البشرية مع الزمان والمكان. إذن، لماذا نقرأ في الأساس؟ إننا نقرأ لنجد إجابات لمعظم أسئلتنا كما نقرأ أيضا رغبة في المتعة. قد يدعي البعض عدم الحاجة إلى القراءة والاكتفاء بالتطبيق أو بالمعرفة المكتسبة، لكن القراءة في الحقيقة أهم مما قد يبدو. فمن خلال العودة للتاريخ البشري ندرك أن الركود أساس الفناء؛ فالماء يتلوث إذا لم يتحرك والنبات يموت إذا لم يُسقَ والعقل كذلك يحتاج أن تتم تغذيته بالمعرفة كي يستمر.

إذا كان ما نقرؤه يؤثر فعلا على قدراتنا ومعرفتنا في الحياة، فماذا علينا أن نقرأ؟ وكيف نختار ما نقرؤه؟ يمكننا أن نختار نوع الكتاب الذي سنقرؤه حسب رغبتنا واهتماماتنا وحسب المجال الذي نريد أن نبحر فيه؛ التاريخ، أم الأدب، أم السياسة أم العلوم؟ فالقارئ الذي يرغب في الاطلاع على مجال المال والأعمال مثلا، قد يجد ضالته في كتب مثل “الأب الغني والأب الفقير”، أو “من الذي حرك قطعة الجبن الخاصة بي؟”، أو “أغنى رجل في بابل” أو “المال: إتقان اللعبة”…وغيرها. أما من يرغب في الإبحار في مجال التنمية البشرية وتطوير الذات، فقد يُعجب بكتب مثل “العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية” و “قوة الآن” وكتب إبراهيم الفقي، أما عشاق الأدب والروايات ستأخذهم كتب دوستويفسكي، وتولستوي، ونجيب محفوظ وكافكا وغيرهم إلى عوالم أخرى من المتعة.

يقول جورج ر. مارتن: “القراء يعيشون آلاف المرات قبل أن يموتوا، أما الشخص الذي لم يقرأ فيعيش مرة وحدة فقط.” عندما نقرأ نعيش عدة مرات من خلال التجارب والقصص التي نحياها، فنصبح جزءا منها وتصبح جزءا منا.

مقالات مرتبطة

عندما نفكر في اختيار كتاب معين، قد نتيه بسبب كثرة الخيارات والمجالات المتوفرة، لذلك، يتعين علينا قبل ذلك أن نحدد هدفنا وما نرغب في كسبه من خلال القراءة. من وجهة نظري الخاصة، قد يكون تجنب الكتب الأكثر مبيعا خيارا حكيما في غالب الأحيان، فمعظمها يغلب عليه الطابع التجاري والتسويقي أكثر من الطابع التعليمي التثقيفي. أما حين يتعلق الأمر بالروايات والكتب الأدبية، فأميل إلى الكتب القديمة أو الكلاسيكية التي تبقى عظيمة مع مرور الزمن.

كما يقول إيطاليو كالفانو: “الكتاب الكلاسيكي هو كتاب لا ينتهي أبدا من البوح عما بداخله.”

قبل أن نختار الكتاب المناسب يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الحالة النفسية التي نمر بها عند قراءة كتاب ما؛ إذ غالبا ما نهرب من كتاب جيد لأنه لا يناسب وضعنا الآني، وننفر من موضوع معين فقط لأنه لا يتوافق مع حالتنا النفسية فنحكم عليه خطأ. لذا، يجب أن لا ننسى أن التوقيت المناسب مهم جداً عند الرغبة في القراءة. موقع ومكان القراءة أيضاً لا يقل أهمية، فالقراءة لها طقوسها المميزة كذلك، كالأماكن التي توفر الهدوء المطلوب للتركيز.

لقد تغنى العديد من الكُتّاب والأدباء والشخصيات الناجحة بالقراءة والكتاب،من خلال مقولاتهم، وسأختم مقالي باثنين منها، أولاها مقولة جاي بولسن: “أنا مدين بكل ما أنا عليه وكل ما سأصبحه لقراءة الكتب.” والثانية لفريدريك دوكلاس: “متى تعلمت القراءة، ستصبح حرا إلى الأبد.”