لماذا هم زينة الحياة؟

قبل عامين تقريبا كان لنا جيران يشاركوننا نفس الطابق من العمارة، وكان لهم أربعة أطفال في سن صغير، لا يتجاوز كبيرهم السابعة حسب تقديري، وبما أننا كنا نشترك في أحد الجدران، كانت أصواتهم وهم يركضون ويصرخون ويلعبون تزعجني كثيرا، رغم أنهم كانوا أطفالا مؤدبين للغاية حيث Yن الأخوين الأكبرين يبادران بالتحية لما أصادف أحدهما، كانت ألعابهم الجماعية غالبا ما تفسد علي الدقائق القليلة التي أملكها للقيلولة والراحة من العمل. تساءلت في مرات كثيرة كيف تستحمل أمهم هذا الكم من الإزعاج والفوضى التي لا يصلني منها سوى الأصداء وتجعلني أتمنّى في بعض المرات لو يبدلون مكان سكناهم ويرحلون عن العمارة.

مرت الأيام ورزقني الله بطفلتي الأولى، وبعد شهور قليلة انتقل جيراننا فعلا، ولعل السبب وراء رحيلهم قد يكون بكاء ابنتي اليومي الذي يكسر سكون الليل، ذلك الصراخ الحاد للرضع الذي يستفز الآذان حتى لا يمكنها تجاهله، وهو مزعج كصافرات الإنذار لأن له نفس دورها تماما.

مر عام الآن على مولد ابنتي، وفي هذا العام لم أنم قط لثمان ساعات متواصلة، مر عام ولم أذهب إلى عملي ولم أتقاض راتبا، مر عام وأنا أجلس بالكرسي الخلفي للسيارة، مر عام وقد أضيفت لمهامي اليومية مهام جديدة لا تغني سيرتي الذاتية المهنية.

ومن الطبيعي أن يتساءل العقل البشري الذي مهما اتسع يضيق عن استيعاب بعض الأمور، عن كيف يكون الأطفال زينة الحياة مع كل هذه المشقة؟ لم يتقيّد الآباء بهذه المهمة التي لا مجال فيها للتراجع أو حتى لأخذ عطلة؟ ما جدوى أن يرعى الإنسان إنسانا صغيرا آخر يأخذ من جهده ومن وقته الكثير بدون أي ضمان أن يرد له بالمثل؟

فيأتي الجواب غنياً عن أي برهان من رضيع في عمر الشهرين مع أول ابتسامة مقصودة، وكأنه يقول ولدت ولم أكن أجيد غير البكاء ثمّ اجتهدت وتعلمت الابتسام من أجلك لأخبرك أنني أحبك وأنني سعيد بكل الرعاية التي أتلقاها منك، ثم مع أول ضحكة مسموعة وأول قهقهات عذبة في عمر خمسة أشهر لأي سبب لا يستدعي الضحك، ثمّ مع ظهور أول سن في سبعة أشهر تشرق بعده ابتسامات فاتنة بسنين أو ثلاثة، ثم مع أول كلمة ماما أو بابا في ثمانية أشهر، ثم مع أول حبوة فأول خطوة، ثم أول قبلة بدون مناسبة من برعم جديد عهد بالحياة لا يتجاوز عمره السنة.

في كل هذه المرات يأخذنا الأطفال بدون استئذان في لحظات سعادة حقيقية وخالصة، تحس معها كأن القلب يتمدد ليسع كمية البهجة الممزوجة بالفخر، ونحن نتأمل إنجازاتهم الصغيرة وفرحتهم الغامرة بها نتعلم أن أبسط مراحل الحياة وتفاصيلها تستحق أن يحتفى بها، ونحظى بالفرصة للمس معان عميقة ونحن نرافقهم في رحلتهم الاستكشافية للعالم فنلمس الصدق في تعبيرهم عن الحب وعن السعادة أو الحزن، وندرك معنى الاطمئنان باللحظة الحالية بلا قلق على المستقبل لأن الرزق على الله، ونستشعر معنى الصفاء من الأحقاد ومن الأحكام المسبقة ونفهم معنى الإصرار على التعلم والتقدم في الحياة.

يزين الأطفال الحياة كما تزين شقائق النعمان حقول القمح، وكما تزين النجوم سماء الليل، وكما يحلي مكعب السكر فنجان القهوة. ولو نزعنا عن الحقل الزهور لزاد المحصول ولكن من أين له ذلك البهاء، ومن دون النجوم لن تسقط السماء فوق رؤوسنا ولكنها ما يجعلنا نتطلع بأعيننا متأملين في حلكة الظلام، ومن دون قطعة السكر لن تفقد القهوة فوائدها ولكنها لما تذوب فيها تستعمر كل جزيئاتها وتجعل مرارتها سائغة لذة للشاربين.

لا أنكر أن الاهتمام بطفل صغير أمر متعب ومكلف خصوصا من ناحية الوقت، وقد تبدو الأفكار الشائعة بأن الأطفال يعيقون مسيرة آبائهم نحو المجد واقعية لمن ينظر للأطفال كعبء يجره معه ويثقل مشيته، لكن الحقيقة أن الأطفال هم حافز كبير للطموح للأفضل، فنحن نتطلع أن يكون المستقبل أحسن لأجلهم، ونحرص على أن نوفر لهم أقصى ما تبلغه أيدينا، ونعمل على الزيادة من معارفنا حتى نربيهم التربية الصحيحة ونسعى للإصلاح من أنفسنا لنكون أهلا أن يقتدوا بنا، ونأمل أن تستجاب دعواتنا لأن في مضمونها أن يكونوا بخير وأن يكونوا سعداء وصالحين، وبفضلهم نتوقف للحظات مع نقاء الفطرة بعد أن انغمسنا في أكدار الحياة، ونسمع في نغمات أصواتهم ما افتقدناه في الضوضاء المتواصلة حولنا.

أدركت الآن أن أصوات الركض واللعب الجماعي في بيت الجيران كانت تحمل لأمهم رسالة غير التي كانت تصلني، فأنا لم أكن أملك الشفرة المناسبة لترجمتها، لكن هي كانت تقرؤها كما ينبغي وشغبهم كان يعطيها إشارة على أنهم بخير مستمتعين في بيتهم فرحين بأخوّتهم. أسأل الله أن يحفظ جميع الأطفال، من رأى النور منهم، ومن لا يزال في ظلمات ثلاث، وأن يرزق كل منتظر للذرية براعم تشق تربة الانتظار تطل معها طلائع الحياة البهيجة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri