عتاب مغترب

هل نحن من نهجر الأوطان أم هي من تبادرنا بالصدِّ والهجران؟ حين تشيحُ بوجهها عن أمانينا فيها وتبادلنا الوُدَّ بالجفاء وكلما حلمنا بها مزَيَّنةً كالعروس توشحت هي بالسواد. ألم نكن صالحين بما يكفي لتفتح لنا خزائن كرمها؟ أم ربما لم نملك الصبر الذي يكفي العمُرَ كله وانقضى الصبر قبل انقضاء العمر. ولماذا حين نغتربُ عنها يلاحقنا طيفها مهما بعُدت المسافات، وفي الوجدان تسكننا بدل أن نسكنها، فلا نحن في هناءٍ على أرضها ولا نحن في بعدها من السُعداء. قد تشكونا الأوطانُ إذا نطقت وتعاتبنا على قلّة الصبر والوفاء، فهل فيها العيب أم فينا؟ أم العيب في المتحكمين فيها يقطعون أواصر الود بيننا ويكتنزون لأنفسهم زينة الوطن ليصبح باردا بلا كِساء.

قد يُجبرُ البعض على الهجرة إجبارا وينزح من أرضه مُهجَّراً، لاجئاً، أو منفيا، ويطلُب الآخرون الرحيل اختيارا بل يبذل بعضهم في سبيل ذلك النفس إن لم يجد غير ذلك سبيلا، وكأن جميع الاحتمالات سقطت وصار العيش في الوطن أمرّ من الغرق في أمواج البحر الباردة ليلا. لا أرى في الغربة اختيارا مطلقا بلا إجبار مُبطَّنٍ، فكيف يختار المرء أن يفارق أهله وأحباءه وخلانه طواعية بلا إكراه إن لم يكن قد ذاق من المنغّصات في بلده القَدرَ الذي يحمله على قطع الحبل السري وطلب رضى وطن جديد.

الغربة كدواءٍ بأعراض جانبية دائمة ومتعبة، لستَ تدري أيهما أرحم أأسقام المرض أم أعراض الدواء، فالمغترب في غربته حتى وإن ألف وطاب له المقام لا تكتملُ ألفتُه ما دام في قلبه وفِكْرهِ مكان محجوز للوطن والأهل يملؤه الحنين ممزوجا بالحسرة ويُؤثثه الانتظار. في الغربة كل شيء مختلف، لون العَلمِ وهندسةُ المعمار، رائحة الخبز ومذاق الشاي، نوع الضجيج في الشارع وحديث المارّة من حولك، طعمُ العيد مختلف وطعم الكسكس كذلك.

قد يغلبك الشوق في الغربة حتى تشتاقَ لأهازيج الفرح العشوائية التي كانت تحرمك النوم، أو أصوات الباعة المتجولين وشغب الأطفال، لفضول الجيران وللزيارات المفاجئة بلا مواعيد، للزحام وصخب الأسواق. وكما أن في الغربة يعشق الإنسان هوى الوطن الذي هجره، ويتغزل في محاسنه وتفاصيله الفريدة، وتأخذه الحميّة كلما ذُكر في سياق الحديث ليدافع عنه بلا حياد، في نفس الوقت يظهر الوطن بكل عوراته وتظهر جليةً العيوب التي كانت تراوده فيها الشكوك، ويعلم أن الوطن ليس كاملا وأن أعذاره كانت واهية، ويصبح الرجوع لأحضانه صعبا ونسيانه مستحيلا.

مقالات مرتبطة

أحياء وكفى!

الفهم عن الله

عندما تصاحب طفلك!

لا شك أن للهجرة فوائد عديدة كما قال عنها الإمام الشافعي:

تَغَرَّبْ عَن الأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلى *** وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تـفَــرُّجُ هَـــمٍّ وَاكْــتِـســابُ مَــعِــيــشَــةٍ *** وَعِـــلْـمٌ وَآدَابٌ وَصُــحْــبَــةُ مَــاجِـــد

ولكن، لا يكاد مهاجر يفلت من سطوة الغربة؛ وهي مجموع الأحاسيس المتضاربة التي تعصف بالقلب من حين لآخر، تشتد حينا وتغفو حينا، لتنضاف للشعور الأصيل للإنسان بالغربة على هذه الأرض وتجعل مأساته مضاعفة. ونحن الغرباء دائما وفي كل الأحوال، حتى وإن حللنا ضيوفا على الوطن نعيش غربتنا كاملة، فقد صار نصيبنا منه كنصيب النائم من الحلم الجميل، أيام معدودات كلّ عام بين دفّتي فرح اللقاء وألم الفراق، وقت لا يكفي لتفريغ حقائب الأشواق التي حملناها معنا في السفر، ولا يكفي لصلة الرحم مع ذكرياتنا القديمة أو للتزود بذكرياتٍ جديدة نعيش عليها بعد الفراق، نوقد بها مصابيح الصبر في عتمة الانتظار.

إن أقسى ما في الهجر هجر الحبيب وفي القلب لا يزال وده، وقد هجرنا الأوطان وودها في القلب موصول، يا ليتك يا وطن استجبت في حينها لنداءاتنا قبل أن نلملم ذكرياتنا ونرحل، قبل أن نجرب العيش في بعدك فنصير في حيرة، يا ليتنا تبادلنا البرّ لكُنا لم نفترق أبدا، فما الوطن إلا الوطن الأولُ، حتى وإن تعددت الإقامات فسيظل أمل أن تكون الوطن الأخير وأن يكون ترابك اللحاف في البرزخ قبل البعث إلى الحياة الأبدية.

1xbet casino siteleri bahis siteleri