ماذا نعرف عن فن الانتقاء؟

في كل مراحل حياتنا، نُجبَر على الاختيار بين شيئين أو أكثر. عندما نفكر في الاختيار، يبدو لنا الأمر صعبا، باعتبار أن كل اختياراتنا تؤثر في حياتنا بشكل مباشر أو غير مباشر. تحت ضغوطات الحياة، يسهُل علينا أن نخطئ أو نندم على اختيار ما. لكن، كيف يمكننا أن نتجاوز هذه العقَبة ونُحسن فن الاختيار؟

يكمنُ فن الانتقاء في الطريقة التي نختار بها. هناك من يختار بعناية (انتقاء)، وهناك من يختار دون أن يختار حقاًّ (استهلاك). ولنعرف طريقة اختيارنا يمكننا أن ننظر إلى أسبابها ودوافعها؛ هل هي نابعة من دواخلنا وإرادتنا الخاصة، أم أنها تتأثر مباشرة بعوامل أخرى كضغط المجتمع والعائلة.

خلال كل لحظة نمرُّ بها، نقوم بالاختيار دون أن ندرك ذلك أحيانا، فمنذ استيقاظنا صباحاً، نختار القهوة أو الشاي، نختار أن نرتدي الأزرق أو الأحمر، أن نكرب التاكسي أو نتمشى، أن نبتسم أو نُكشّر، ونختار ونختار.

عندما يتعلق الأمر مثلا بالحاجيات اليومية الضرورية كالموادِّ الغذائية، نجد من يَنتقي كل منتجٍ بعناية، وفي المقابل، نجد من يسحب هذا المنتج وينتشِل ذاك دون إدراك أو رغبة حقيقية، نفس الشيءِ بالنسبة للملابس، والموسيقى، وقراءة الكتب، والتخصُص الدراسي والمهني، والاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

إن الاختيار عادة بديهيّة ومسألة ثقافية تُمارَسُ علينا أحياناً أكثَرَ ممّا نُمارسها. من جانب، هناك من لم يعتد أبداً على اتخاذ القرارات، منذ نعومة أظافره. وبالتالي يصعب عليه الأمر لعدم اعتياده عليه، فيرمي هذه المسؤولية على الآخرين، رغمَ علمه بأنّ نتائجها قد تكون خاطئة؛ لكنه يُفضّل أن يكون اتخاذ القرارات مسؤولية الآخرين وليس مسؤوليته. من جانب آخر، هناك من قضى حياته وهو يمارس الاختيار ويتدرب عليه، ومن تم يرفض التَّخلّي عن اتخاذ قراراته بنفسه.

تَرْوِي شينا لينجار، صاحبة كتاب “فن الاختيار” قصة صارت معها أثناء زيارتِها لليابان، والتي كانت تتوقّعُ أن تجد فيها اختلافاتٍ فكرية وثقافية، لكنها صُدِمت بإحدى هذه الاختلافات في مكان لم تتوقعه. في يومها الأول، ذهبت شينا لمطعم وطلبت شاياً أخضر مع قليلٍ من السكر، رد عليها النادل: “لا يتوجَّب عليكِ وضع السكر مع الشاي الأخضر”؛ لكنها أصَرّت وأخبرته بأنها تحبُّ الشاي خاصتها مع بعض السكر، فكان رد النادل مجددا كما سبق. أجابته شينا بأنها تَتفهّمُ أن اليابانيين لا يضعون السكر مع الشاي الأخضر خاصّتهم؛ لكنها تريد وضعه في الشاي خاصّتها. فتفاجأت بأنه قام بمُناداة مديره، وعندما توَجّّه المدير نحوها، أخبرها بأنه متأسِّف لَنَفاذِ السُّكر منهم. قامت شينا بطلب القهوة بدَلَ الشاي، فتم تقديم كوب من القهوة لها؛ مُرْفَقاً بظَرْفَين من السكر. هنا تفسر شينا أن فشَلها في الحصول على شايٍ بالسكر لم يكن بسبب عدم قدرتها على التعبير وإنَّما بسبب الاختلاف الكبير في مفهوم الاختيار بين الأمريكيِّين واليابانيِّين. بالنسبة للأمريكيين؛ يُعتبَر الاختيار حرية خاصة مرتبطة بالفردية والاستقلالية، كما تقول العبارة الأمريكية الشهيرة “السعادة في اختياراتك”. لكنَّ مفهومَ الاختيار من المُنطَلَق الياباني يقول بأنَّ الاختيار فعلٌ جماعيّ، ومِن تَمَّ يحِقُّ للآخر التدخُّل في خَياراتك حين تُسيء الاختيار، لذلك كان طلبُ الشاي بالسكر غير ملائمٍ حسَبَ المَعايير الثقافية اليابانية.

مقالات مرتبطة

يَعتقِدُ البعض أنه كُلَّما زاد عدد الخيارات، صار الاختيارُ أفضل. لكن البعض يفترض أن التوفر الهائل للخيارات يجعلُ اتخادَ القرار صعباً للغاية، فبدلاً من الاختيار السليم، نغرقُ في كثرةِ الخيارات، التي عِوَضَ أن تكونَ فرصاً تُصبح قيوداً. إذن، كيف يمكننا أن نُحسِن الاختيار ونكونَ انتقائيين؟

قبل أن تتّخذ قراراً مُعيَّناً يجب أن تسأل نفسك أسئلة كهذه: “ماذا سيحدث إذا اخترتُ هذا الشيء؟”، “ماذا سأربح من هذا القرار؟”، “ماذا لو لم تسْر الأمور كما أتوقع؟”، ما تأثيرات هذا القرار على مستقبلي؟ ” إلخ..

عندما تختار، يجب أن تضع صوبَ عينيك أين يمكن أن يؤَدِّي بك الاختيار على المنحى البعيد وليس في اللّحظة الراهنة فقط. وهذا ضروري في القرارات المصيرية في الحياة كالزواج، اختيار مسار مهني أو دراسي لأنها خيارات لها تأثيرات حقيقية على حياتك. من الطُرقِ المساعدة على حُسنِ الاختيار: الاستشارة، كون استشارة الآخرين والاطلاع على آرائهم خاصة من تثِق بهم وتَأْتَمِنُهم؛ ومن لهم علاقة مباشرة بالموضوع أوعاشوا نفس التجربة من قبل. الابتعاد عن القلق؛ لأن القرارات الخاطئة غالباً ما تنتُج عن القلق أو التسرُّع. يُمكنك أيضا كتابة لائحة من الخيارات المتاحة لكي تتضح لديك الرؤية، فتستطيع تحليلَ كُلٍّ منها، إيجابياتها وسلبياتها، استبعاد بعضها واختيار المناسب منها. لا تفكر أكثر من اللاّزم عند اتخاذ القرارات، من الجيد دائما أن نفكر مليّاً ولكن التفكير الزائد عن حده سيضيِّع وقتك ويُهدر طاقتك.

لكي تُجيد الانتقاء يجب تعرف ماذا تريد وما لا تريد، أن تتقبَّل احتمالية أن تُخطِئ، أن تحدد أهدافك، ولا تتردد كثيرا. تذكر أن تخاطر أحياناً؛ فالمخاطرة ستوصلك إلى المبتغى يوما ما حتى وإن فشلت في البداية. عليك أن تُراقب اهتماماتك، فإذا كانت الاهتمامات سخيفة ستكون الأولويات سخيفةً أيضا. خُد وقتك اللازم في التفكير، تعلم من أخطائك السابقة واجعلها دليلاً لك وتعلَّم أن تجعل عقلك وقلبك يشتغلان معا، ففي التوازن نجاح.

في نهاية المطاف، رغم أن هنالك خيارات لا يمكن إعادة النظر فيها أو تصحيحها، لكنَّ أغلب المُنعطفات في الحياة لا تَحتملُ طريقاً واحداً فحسب، بل توجد أحيانا طرقٌ أخرى أو مساراتٌ قد تعيدنا إلى الطريق الصحيح.

إنَّنا نِتاجُ كلِّ ما نقوم به من قرارات واختيارات، فأنت كلُّ سطرٍ تقرؤه، أنت كل وجبة تأكلها، أنت كل صديق تُصاحبه وكلُّ فكرة تعتنِقها. يقول تشارلز ديكنز: “أنت في كل سطرٍ قد قرأته على الإطلاق”، لذلك كُنْ انتقائيا، واختر بعناية ما يستحقّ أن يكون جزءاً من حياتك ولا تضيّع وقتك وجهدك في أشياء لا تَعنيك، سواء كانت علاقات، اهتمامات أو توجهات لا تُشبهك البتّة.