ما أو من هو وطنك؟

10

إذا ما ذكرنا كلمة الوطن، يتبادر إلى ذهن الجميع أنها تعني” البلد أو الجنسية”، أي اسم الدولة التي ولد فيها الشخص والأرض التي ترعرع فيها منذ نعومة أظافره، إلا أن كلمة “الوطن” يمكن أن تكون أكبر وأعمق من ذلك بكثير. الوطن هو المكان الذي تعود إليه كلما ضاقت بك الأرض بما رحبت، المكان الذي ترتاح فيه، وتحس داخله بالأمان والطمأنينة. يمكن أن يكون أرضا أو قلبا أو حضنا…أو حتى شخصا.

يمكن أن يكون وطنك هو حضن أم تخاف عليك حينما تمرض، تنتظر عودتك حينما تغيب، تخشى أن يصيبك مكروه حينما تتأخر، تبكي لحزنك وتفرح لسعادتك، تحن عليك حينما تقسو عليك الحياة ويتركك الكل، فتعود لتجد حضنها يستقبلك كيفما كانت الظروف، حضن دافئ باستطاعته أن ينسيك هم الدنيا بأكملها.

كما يمكن أن يكون وطنك مختبئا داخل قلب حبيب، قلب ينبض باسمك وتجري أنت في عروقه، شخص يحبك لما أنت عليه، بمساوئك وحسناتك، في شقائك وسعادتك، شخص لا يطلب منك سوى أن تكون بجانبه، يرى السعادة بعينيك، ويسعى دائما ليرى ابتسامتك، قلب صادق قد حفر حروف اسمك داخله ووعد نفسه أن لا يتخلى عنك مهما قست عليكما الظروف والمشاكل، قلب يخبئ لك في أعماقه وطنا تعود إليه…حيث لا حرب ولا كذب ولا خداع، بل سلام وحب ووفاء. ثم يمكن أن يكون وطنك أيضا عبارة عن شجرة كنت تختبئ تحت ظلها وأنت طفل صغير، أو ربما منزل قديم هاجرته منذ سنوات، إلا أن الدفء الذي كان يُمدك به، لم تستطع أن تجده في أي مكان آخر مهما بلغت مساحته واتساعه، أو ربما أرض ترعرعت فوقها، ولم تستطع رائحة ترابها أن تفارقك يوما مهما طال الزمن والسنوات.

مقالات مرتبطة

وطنك أيضا يمكن أن يتجسد في رغيف خبز مطهي كنت تأكله أيام طفولتك، أو في الأكلة المفضلة لديك والتي كنت تنتظر أن تعدها لك أمك بفارغ الصبر، يمكن أن يكون أيضا عبارة عن مقهى أمام البحر، كنت ترتاده كلما ضاقت بك الدنيا، لتحكي وتشكي للبحر همومك وأحزانك عسى أن يزيحها عنك مع مده وجزره.

وطنك أيضا، وهذا ما يعد أحسن وأروع وطن، يمكن أن يكون بمثابة سجادة صلاة، تسجد عليها مترجيا خالقك أن يقويك وأن يجبر كسرك وأنت تعرف جيدا أنه لن يتركك ويخذلك مهما فعلت، وهذا الوطن بالذات هو وطن لن يفارقك أينما رحلت وارتحلت؛

كما قال محمود درويش:
“وتسأل ما معنى كلمة وطن؟ سيقولون: هو البيت، وشجرة التوت، وقن الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز والسماء الأولى. وتسأل: هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات، وتضيق بنا؟”

فبغض النظر عن اسم الوطن الذي تحمله على أوراقك، إلا أن لكل واحد منا وطن خاص به، وطن لا يحس بالراحة والسكينة إلا وهو فيه وداخله، وطن لا تستطيع أموال الدنيا أن تعوضه أبدا.