مصائرُ الأجساد البَاردَة.. كيف تعاملت بعض الثقافات مع جثث الموتى؟

الموت هو من الحقائق الثابتة والضرورات الحتمية في تاريخ الإنسانية، فلا يمكن إنكاره لأنه يحصل كل يوم حول العالم، إنه جزء من الطبيعة لا مفر منه. كثيرا ما يتم التعامل مع الموت بحالة من اللاّيقين والقلق والخوف، وهو الشائع في أغلب الثقافات في العالم، بينما في ثقافات أخرى ينظر إليه باعتباره حدث طبيعي ويتم الاحتفال به كانتقال تحوّلي، ويتجلّى هذا في الطقوس الجنائزيّة التي مارسها الإنسان منذ فجر التّاريخ.

السؤال عن مصائر الأجساد الباردة أجابت عنه الكثير من الثقافات حول العالم عن طريق مجموعة من العادات والممارسات الثقافية والدينية في الجنائز أو طرق الدفن وتوديع جثث الموتى، واختلفت هذه العادات والأعراف من ثقافة إلى أخرى باختلاف ثقافاتها ووجهات نظرها حول الموت وما بعد الموت، فهناك من الشعوب من يدفن الجثث وهناك من يحرقها أو يلقي بها في الأنهار وهناك آخرون يعرضونها للطيور تأكلها، كما يوجد أغرب بكثير من هذه الطرق.

1. أبراج الصّمت – الدّفن السماويّ
أبراج الصّمت أو “دخمه” هي المقابر التي يعتمدها الزرادشتيون، وهي عبارة عن برج دائري الشكل سطحه مقسم لثلاث طبقات، الأولى وهي الأعلى مخصصة لجثث الرجال، وتليها طبقة لجثث النساء، والأخيرة وهي في الأسفل مخصصة لجثث الأطفال، وكل طبقة تنتهي بحفرة. يتم وضع الجثث عارية بعد أن يتم تغسيلها بمياه “الغوميز” (مياه وبول الثور) في تلك الأبراج تحت المطر والشمس إلى أن تأكلها الجوارح من الطيور وتتبقى فقط العظام التي يتم رميها داخل تلك الحفر الموجودة في الأبراج. يعتقد الزرادشتيون أن نور الشمس وحرارتها تطهر الأجسام فتدخل للنعيم نقية مقدسة. أما ما يدفعهم للجوء إلى أبراج الصّمت هو اعتقادهم أنه لا يجب تلويث عناصر الحياة الأساسية بالجثث المتحلّلة.
طريقة أبراج الصّمت في التعامل مع جثث الموتى تشبه طريقة الدفن السماويّ عند البوذيّين في التيبت، مع الاختلاف في المبدأ والدّافع من اللّجوء لهذه الطريقة فقط، حيث يظن البوذيّون أنه لا يجب أن تبقى أيّ مخلفات من الجسد على اعتبار أنّه أداة الرّوح في طريقها إلى الانبعاث (السامسارا).

2. حرق جثث الموتى – الساتي
يعتبر الهندوس أن النار هي العنصر القادر على تطهير الروح من كل الآثام والذنوب التي تعلق بها، وعلى اعتبار أن الجسد المادي لا يصلح لشيء بعد الموت فإنهم يقومون بحرق جثث موتاهم في طقس يعرف باسم “الساتي”، هذا الاسم مأخوذ من اسم الإلهة ساتي آلهة السعادة الزوجية وزوجة الإله شيفا، إله القسوة والدمار. يعتقد الهندوس أن ساتي أُحرقت مع زوجها بعد وفاته في تعبير عن وفاء الزوجة لزوجها. واستمر هذا الطقس عند بعض الطوائف الهندوسية عبر قرون عديدة حتى تجريمه من الدولة الهندية لاحقًا.

بعد أن يتم غسل جسد الميت وتلبيسه ملابس جديدة، تُحمل الجثة على النعش إلى المحرقة مع تلاوة الصلوات، ويُعرض النعش حتّى يراه كل أهله دون أن يتم لمسه، كما يتم وضع الزهور وكرات الأرز حول الجثة بالإضافة إلى مصباح بجانب رأسه. تبدأ بعد ذلك مراسم الحرق بإدارة كاهن هندوسي رفقة كبار أفراد أسرة المتوفى مع تجنب أيّ حضور للمرأة لأن ذلك غير مستحبٍّ تقليديًّا. في اليوم التالي بعد عملية الحرق يتم الاحتفاظ برماد الجثة أو نثره في مكان يكون عزيزا على المتوفى.

3. الدّفن – من التُّراب إلى التُّراب.
ينتشر دفن جثث الموتى عند أتباع الديانات الإبراهيمية (اليهودية، المسيحية، الإسلام)، حيث يتم إجراء عدد من الطقوس حسب كل ديانة من الثلاث قبل إيداع الجثة تحت التراب.
في اليهودية، عندما يموت أحدهم يتم بسرعة قصّ شعر رأسه وحلق ذقنه، ورشّ العطر عليه بعد غسل جثته، ثم لفه بشال “الطاليت” (هذا في حالة إذا توفّى الميت وفاة طبيعية، أما إذا قُتل فيتم لفه بملابسه الملطخة بالدم). وبعد ذلك تتلى على الميّت صلاة “القاديش”، هذه الأخيرة عبارة عن تسابيح دينية مكتوبة بالآرامية، يتم تلاوتها من طرف ابن الميّت أو أحد أقربائه. ثم بعد ذلك يتم وضع الجثة في القبر الذي يعرف في التراث اليهودي بـ “شؤول” أو “حفرة الهاوية”، ويعتقدون أنه مكان السؤال بعد الموت. تُقرأ بعد الدّفن صلاة “صِدوق هدين”، وهي بمثابة التسليم بالقضاء والرضا به.
يهتم التراث اليهودي بالدفن، ويعتبر أن المقابر التي يدفنُ فيها اليهود أقدس من المعابد التي يُعبد فيها الإله. يعتقد اليهود أن الأرواح تعيش للأبد، أما الأجساد فيملكها الإنسان لفترة معينة ثم يعيدها للرب عن طريق التراب، وهذا هو الغرض من الدّفن.

أما في المسيحية، بعد الموت يتم غسل جثة الميّت بالماء المخلوط بالعطور، يوضع على وجه الميّت منديل مثلّث في دلالة على أنه يؤمن بالثالوث المقدّس بالإضافة إلى إلباسه صليبًا، ثم يتم إنارة شمعتين حول الميّت تكونان بمثابة ملكيّ النور، ثم يجلس أهل المتوفّى حوله لتلاوة “سفر المزامير لداود النبي” حتّى يحين موعد تشييع الجثمان، حينها يُكفَّن الميّت بالكتّان مع وضع الأطياب والحنوط بين طيّات الكفن ويتم نقله في عربة إلى المقبرة. ثم بعد ذلك يتم دفن الجثة في قبر على شكل حُجرة مرصوفة بأرفف صخرية يتم وضع الجثمان عليها، وعلى باب القبر يوضع حجر كبير. ويختلف المسيحيون في استعمال التابوت من عدمه حسب المذاهب.
يعتقد المسيحيُّون أن الموت عبارة عن نوم، فالميّت ينام ويستيقظ عند عودة المسيح. ويرون أن غسل جثة الميّت أمر ضروري، لأن الميّت قد يكون متّسخًا بأثر أمراضه، وهذا يمنعه من الدخول إلى الكنيسة.

في الإسلام، عندما يموت أحد المسلمين يتم غسل جثثه من طرف أفراد أهله أو من هو مكلف بذلك، والعادة أن الرجل يتم تغسيله من طرف الرجال والمرأة يتم تغسيلها من طرف النساء، ثم مباشرة بعد ذلك يتم تكفينُ الجثّة بكفنٍ مكون من ثلاث قطع من القماش الأبيض، ويُشترط أن يكون نظيفا وليس فيه أي عُقدٍ أن غُرز. وقبل الدّفن يتم إقامة صلاة خاصّة هي “صلاة الجنازة”، وفيها يدعي أهل الميت وأقاربه بالرحمة والغفران والثّبات عند السؤال لميّتهم. ثم يتم نقل الميّت إلى القبر، ويتم وضعه على جنَبهِ الأيمن فيما يتم توجيه وجهه للقِبلَة (مكان تواجد الكعبة).
يعتقد المسلمُون أن الدّفن شيء مهم لا يمكن تجاوزه أو الاستغناء عن طقس من الطقُوس الّتي تسبقُه، حيث يُعتبر أن دفن الميّت تكريمٌ له ولروحه.

تشتركُ الأديان الإبراهيمية في الاعتقاد بأن الجسد مجرد محطة عبُورٍ للرُّوح الخالدة، ولذلك يتم التعامل مع جثث الموتى كمسكن غادره أهله وينبغي إعادته إلى سيده -الذي يتمثّل في الإله-، وأحسن طريقة لذلك هي الدّفن.

1xbet casino siteleri bahis siteleri