التجربة الكونغولية (١): رحلة إلى بلد مألوف مجهول

2٬207

في ثقافة الأسفار، يستحسن دائما أن تكون هناك فترة زمنية معقولة، تفصل بين كل تجربة سفر وأخرى، وآية ذلك أن من غايات السفر هي الخروج عن المألوف والمعتاد اليومي وكسر روتين ورتابة الحياة العادية، فإذا لم تكن هناك هذه الفترة الفاصلة بين تجربة سفر وأخرى، ربما يتحول السفر بدوره إلى روتين، لا يحقق الغاية المرجوة منه؛ لكن، من جهة أخرى، فرص السفر غالبا ما تأتي بغتةً، وإذا فُوِّتتْ قد لا تتكرر إلا بعد مدة طويلة، وهو ما يقتضي الحسم في انتهازها. تلكم كانت هي المفارقة التي واجهتني في تجربة هذا السفر، الذي سأتحدث عنه في هذا المقال، والذي كان إلى دولة الكونغو الديمقراطية -كينشاسا- فقد عدتُ للتو من سفر ملهم وممتع إلى إحدى دول جنوب شرق آسيا، وهي مملكة التايلاند، في تجربة فريدة من نوعها؛ ولم أكدْ آخذ أنفاسي في المغرب، حتى وجدتني أستعد مرة أخرى للتوجه إلى كينشاسا في مغامرة جديدة.

ومع ما قد يطرحه توالي هذه التجارب بدون توقف أو فترة زمنية فاصلة من إشكالات على مستويات واعتبارات مختلفة، إلا أنني وجدتُني منخرطا بشكل كلي في هذه التجربة من غير تردد أو توجس. وقبل أن أسترسل في الحديث عن هذه التجربة، أرى من الأفضل أن أمهد للحديث عنها بإعطاء لمحة عن هذا البلد، حتى يكون حديثنا حديثا عن معلوم، وليس حديثا عن مجهول، بالإضافة إلى سرد علاقتي بهذا البلد، والتي امتدت لسنوات يمكن وصفها بالطويلة؛ فهو بلد مألوف بالنسبة لي، ولم يكن غريبا كثيرا، فطالما حضر اسمه في نقاشاتي وفي علاقاتي، على الأقل في وقت معين من حياتي.

وسبب نزول هذا السفر يرجع إلى أن أحد أصدقائي قد اتصل بي يقترح عليّ السفر إلى هذا البلد من أجل مهمة معينة، سيأتي الحديث عنها، وهو صديق قضيت برفقته مدة ليست باليسيرة، حيث أعرفه مذ كنا طلبة في كلية الطب، إذ تعرفت عليه في السنة الثالثة أو الرابعة في دراستي في الكلية، أي منذ خمسة عشر عاما تقريبا. وهو صديقي المهدي هكو. وهو بالإضافة إلى ذلك، قد سبق لي أن رافقته في رحلة طبية إغاثية إلى غزة في سنة 2009، كما أننا حضّرنا وراجعنا معا لامتحانات التخصص، وفي الوقت الذي اخترتُ فيه الجراحة العامة، شجّعتُه على اختيار جراحة الدماغ والأعصاب، وهو ما كان.

اتصل بي هذا الصديق، واقترح علي الانخراط معه في هذه الرحلة، وسألني عمّا إذا كنتُ أرغب أو مستعدا لذلك، وكعادتي عندما تأتيني مثل هذه المقترحات بالسفر، لا أتردد في الرد بالإيجاب والقبول. إذ غالبا ما أتخذ قرار السفر، ثم أفكر بعد ذلك فيما يقتضيه من تفكير وإجراءات وترتيبات، وخاصة ما يتعلق منها بتدبير مسألة العمل؛ ذلك أنني أعتبر أمر السفر مثل المقاولة، لا تستطيع أن تديرها وتسيرها إلا بعد تأسيسها، وهذا يتطلب منك أن تبدأ أولا، وبعد ذلك سيأتي النجاح أو خلافه؛ فالأمر شبيه بالقفز من طائرة أو من قمة جبل، حيث إن المغامر يقفز أولا، وفي طريقه للهبوط إلى الأرض يرتب الأجنحة ويضعها، ولا يمكنه أن يركب تلك الأجنحة قبل الشروع في القفز.

فلا بد إذن أن يقرر المرء أولا -ويجب أن تكون ظروفه مساعدة بطبيعة الحال- وبعد ذلك سيأتي كل شيء في إبانه؛ وذلك جزء من متعة السفر، بل ومن فائدة السفر أيضا، وهو أنك تتعلم أن تكون مرنا، لتتكيف مع كل المستجدات والوضعيات التي تقتضيها تجربة سفرك.

وقد تذكرتُ، في اللحظة التي اقترح علي هذا الصديق الانخراط معه في هذه التجربة، أولَ تجربة سفر لي إلى إحدى دول غرب أفريقيا في سنة 2007، وهي دولة غينيا-كوناكري، بالإضافة إلى تجارب أخرى كانت لي إلى بعض دول الساحل الإفريقي، وهي بالأخص السنغال وموريتانيا (2010) والرأس الأخضر (2015). ولذلك وجدت في هذا الاقتراح مناسبة وفرصة كبيرتين لتجديد الصلة بالسفر إلى دول هذه القارة، التي ربما ليست مألوفة كوجهة للسفر، لكن ما يغري بالإقدام أن السفر هذه المرة سيكون إلى جمهورية الكونغو، وهي بلد أفريقي أعرف عنه الكثير بوسائط، بحكم عملي ودراستي سابقا، وأيضا بحكم علاقات بلادنا مع هذا البلد.

بمجرد أن تلقيت هذا الاقتراح بالسفر، عدت بذاكرتي إلى الوراء، وبالضبط إلى زمن التدريب في المستشفى العسكري وقتَ كنت طالبا في كلية الطب، إذ اكتشفت حينها أن معظم الأطباء المغاربة العسكريين كانوا يذهبون إلى الكونغو، ولا أتذكر أنني تعرفت إلى شخص منهم يعمل في المستشفى العسكري لم تكن له تجربة سابقة، أو مبرمجة مستقبلا، إلى الكونغو، حيث كانوا يذهبون في إطار قوات حفظ الأمن، هذه القوات التي يكون فيها حضور قوي للمغاربة دائما. وبهذا يمكن القول بأن هذه الدولة كانت مألوفة بالنسبة لي، رغم أنه لم يسبق لي أن قمت بزيارتها، فالأحاديث التي كانت تجمعني بالأطباء آنذاك لا تخلو من الحديث عن هذه الدولة، وعن تجاربهم فيها، وقد كان لدي فضول لاكتشافها والسفر إليها في ذلك الوقت، رغم أن هؤلاء الأطباء لم يكونوا يوافقونني الرأي آنذاك، ويرون أن ذلك الفضول من غير محل.

وقد كانت مخالفة هؤلاء الأطباء لي معقولة، ذلك أنه قد لا يكون واضحا أن يكون للمرء فضول ورغبة في السفر إلى منطقة تشهد توترات وصراعات مستمرة، لكن الرغبة في اكتشاف هذا البلد المجهول كانت تدفعني إلى التفكير في السفر إلى هذه الدولة رغم كل ما ذُكر. وقد ازداد هذا الفضول نموا عندما كنت طبيبا مقيما في بلجيكا، وآية ذلك أن أحد المختصين الذي تعلمت على يديه أشياء كثيرة، كان يشتغل في المصلحة التي أعمل فيها، وكان اسمه فريدي إيمبوتي، وهو كونغولي، وكان يحدثني كثيرا عن الكونغو، بالإضافة إلى أنني تعرفت على الكثير من الكونغوليين في بلجيكا، كونهم جالية كبيرة هناك، بحكم علاقة الاستعمار التي ربطت بلدهم ببلجيكا.

وعلاوة على ما سبق، كان قد رافقني في رحلتي المذكورة سابقا إلى غينيا كوناكري -وكانت رحلة عمل- طبيب كونغولي أيضا، وجمعتني به أحاديث ونقاشات طويلة، وكثيرا من الأحيان تكون عن بلده. وهذه العوامل كلها دعتني إلى قبول هذا الاقتراح من غير تردد، إذ آن الأوان حقا لكي أتعرف على هذه الدولة عن قرب.

ومما يسر هذا السفر أكثر أن تاريخه قد صادف الأسبوعين الأخيرين من شهر شعبان، وهو وقت مناسب لمثل هذه الرحلات بالنسبة لشخص مثلي يعمل في القطاع الخاص، ذلك أن وتيرة العمل في القطاع الخاص الطبي تكون ضعيفة في مثل هذا التاريخ عادة، بحكم انشغال الناس بالاستعداد لاستقبال شهر رمضان. وما لم أقله في البداية أنه تخلل هذا السفر سفر آخر إلى تركيا فكانت مناسبة للجمع بين الحسنيين، زيارة خفيفة إلى تركيا، ثم الانطلاق إلى الكونغو بعد ذلك.

ولعل أهم ميزة لهذا السفر هو أنه أعادني كثيرا للماضي، فبالإضافة لما سبق ذكره، كان هذا السفر مناسبة لاسترجاع بعض الذكريات في بداية شبابي، وخاصة علاقتي وتعرفي على بعض الشخصيات الملهمة في فترة من حياتي، ومنها شخصية باتريس لومومبا، وهو أول رئيس وزراء كونغولي، كنتُ أشاهد خطاباته، وكذلك خطابات توماس سانكارا، وقراءة أشياء كثيرة عن تشي جيفارا، كنت محبا لهذه الشخصيات، على الأقل في ذلك الوقت من حياتي، كانوا قدوات بالنسبة لي، وإن كانوا خارجين عن المنظومة الفكرية التي أنتمي إليها. كنت أجد فيهم أيقونات للنضال والمقاومة، ملهمين للشعوب لتنتفض ضد الظلم والاستعباد، وأستشعر فيهم نماذج للإنسان المكرَّم الذي يرفض الإهانة، ويشعر بالإهانة التي يتعرض لها أخوه، ويسعى جاهدا لتخليصه منها. وربما كنت أضعهم في رتبة واحدة مع المجاهد الكبير عبد الكريم الخطابي وعبد القادر الجزائري وعمر المختار.

وترجع علاقتي بهذه الشخصية -باتريس لومومبا- إلى الشعور بالمرارة التي تملكني يومَ كنت في غينيا في سنة 2007 في رحلة للعمل، واحتكاكي بالطلبة هناك في الجامعة، واكتشافي لوضع بلدان القارة عن قرب، حيث رأيت بأم عيني كيف أن بلدا غنيا جدا بموارده الطبيعية، يفتقر أبناؤه إلى أبسط الأساسيات في الحياة، وهو ضعيف جدا في إمكانياته وبنياته التحتية، ومعظم فئات شعبه تقاسي ظروفا صعبة، كل ذلك أثار لدي اهتماما بهذه القضايا، ورغبة في التعرف على مشكلات بلدان هذه القارة، والانخراط في التفكير فيها، خاصة مع تزامنها مع انفتاح المغرب على البلدان الأفريقية، وكأن تلك الرحلة حرّكت لدي شعورَ الانتماء إلى هذه القارة، وبدأت أتساءل عن الخلل من أين أتى؟ ففي هذا الوقت بالضبط، تعرفت إلى هذه الشخصيات التاريخية الأفريقية، التي كانت تقاوم الظلم، وتحاول تحرير شعوب هذه القارة من الاستغلال الذي تتعرض له.

وكان التعرف على باتريس لومومبا سببا في إقدامي على محاولة التعرف على بلده الذي ناضل وجاهد في الدفاع عنه. وقد كان من أسوأ ما اكتشفت في رحلة التعرف هذه أن هذا المناضل الفذ قد تم قتله على يد رئيس هذه الدولة، رئيس الكونغو نفسه، موبوتو سيسي سوكو، والذي خرج من بلاده فارا، وقدم إلى المغرب، بعد قيام ثورة عليه في سنة 1997، وهنا توفي ودُفن. وتعرفت على جزء من تاريخ هذه الدولة التي عرفت حروبا أهلية وصراعات لا تحصى. والذي يصادفنا اسمها بمجرد إلقاء نظرة على الخارطة؛ إذ يظهر لك اسم الكونغو ممتدا وطويلا، بحكم أنها تغطي جزءا كبيرا من مساحة أفريقيا، كما سبق أن ذكرت.

وهكذا، فهذه الجمهورية تتميز بمجموعة من الخصوصيات، فهي البلد الفرانكوفوني الأول في العالم، إذ إن الناطقين بالفرنسية في هذه الدولة أكبر من الناطقين بها في فرنسا نفسها، وكينشاسا هي أكبر مدينة فرانكفونية في العالم، فهي أكبر من مدينة باريس. والكونغو هي ثاني أكبر بلد أفريقي من حيث المساحة، بعد الجزائر، الحادي عشر عالميا، وهي البلد الرابع عالميا من حيث عدد الدول المجاورة التي تجمعها بها الحدود البرية، بعد الصين التي تحيط بها أربع عشرة دولة، وروسيا التي تحيط بها اثنتي عشرة دولة، والبرازيل التي تحيط بها إحدى عشرة دولة، ثم الكونغو التي تحيط بها تسع دول.

وفضلا عن مساحتها الوافرة، فإن هذه الدولة تعد من أكثر الدول تنوعا نباتيا وحيوانيا، حيث إن نصف مساحتها الجغرافية كلها عبارة عن غابات، وتتوفر على واحدة من أكبر محميات الحيوانات في العالم، مع تنوع نباتي وحيواني هائل؛ فهي تحتوي على سبعمائة نوع من الأسماك، وأكثر من ألف نوع من الطيور، وأكثر من أربعمائة نوع من الثدييات، وأكثر من عشرة آلاف نوع من النباتات، وتقدر قيمة الثروة المعدنية التي تتوفر عليها بأربعة وعشرين تريليون دولار.

وبناء على هذه المعطيات، يعتبرها الكثير من الخبراء من أغنى دول العالم من حيث ما تتوفر عليها من ثروات طبيعية، بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي المهم، وعدد السكان الذي ليس كبيرا جدا بالمقارنة مع مساحتها، ولذلك يُفترض أن تكون من أقوى دول العالم اقتصاديا. غير أن واقع الحال يؤكد خلاف ذلك، فهي من أكثر الدول فقرا في العالم، والحد الأدنى للأجر فيها يصل إلى خمسة وخمسين دولار، و10% من السكان فقط مَن يتوفرون على الكهرباء، فضلا عن الفقر المدقع الذي يعانيه أغلب فئات شعب هذه الدولة.

وهذا يعيدنا إلى المعادلة الأفريقية، وهي المعضلة المزمنة في هذه القارة، والممثلة في “بلدان غنية وشعوب فقيرة”. فلو أنك نظرت إلى الموارد الطبيعية بكل أنواعها، سواء كانت معدنية أو طاقية أو نباتية أو حيوانية، وجدتَها من أغلى دول العالم، وأكثرها وفرةً وتنوعا وغنى، ولكنك إذا نظرت إلى شعوبها وجدتَ معظم فئاتها من أفقر شعوب العالم؛ شعوب لا تزال تقاسي ويلات الجهل، وويلات الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والاستبداد والديكتاتورية، فضلا عن استنزاف خيراتها ومواردها من طرف الدول المستعمرة ووكلائها المعتمدين في بلدان القارة، ممن ينتمون بأجسادهم إلى بلدان القارة الأفريقية، ولكن قبلتهم ومسرى فؤادهم إلى باريس وبروكسيل وروما وبرلين.

فمتى يُهيئ الله لهذه القارة مَـن ينتشلها من حالة الاستلاب والاستغلال ونهب مواردها من طرف الآخرين، لتستقل بأمر نفسها وتستفيد من خيراتها وطاقاتها ومواردها، وتنعم شعوبها بذلك كله؟ ومتى يتحرك أبناؤها لنفض غبار التبعية والإهانة والذل والاستعمار غير المباشر لهم؟ ومتى تتخلص هذه الشعوب من الطغمة العسكرية التي تجثو بركبها على أعناقهم؟ ومتى تنتهي الحروب الأهلية في الكثير من بلدان القارة؟

تلك أسئلة لا تنتهي، وربما لا جواب عليها. والكونغو خير مثال، كما سيأتي بيانه.

1xbet casino siteleri bahis siteleri