وهم الفن

199

كان الفن قديما وسيلة للتواصل الحي مع الطبيعة وخلق نوع من الانسجام بين جمال الكون وجمال الروح، فالرسام يرسم الجمال الذي تراه عيناه ممزوجا بنظرته الخاصة للأشياء فيبدو فنه شيئا خاصا به وكأنه نسخة مشفرة عن جيناته، والكاتب يتماهى مع الكلمات والأحرف فينسج لحنا قد لا يفهمه الجميع لكنه يحمل شيئا من روحه خلف تلك الكلمات، يعبر عنه بطريقة أو بأخرى، وهكذا الحال بالنسبة لكل أنواع الفن، لم يكن هروبا من الواقع بل كان إضافة سحرية له تجعل منه أكثر قابلية للعيش! فماذا حل بالفن على مر العصور، حتى صار على الشكل الذي نراه عليه اليوم؟

تتعد الأسباب والنتيجة واحدة، وهم الفن وأشباه الفنانين هو الواقع المرير الذي صرنا نعيشه اليوم، فمتى ما أصبح الفن وسيلة لتحقيق ملذات مادية فقد بريقه والغاية منه!

لقد تشوه مفهوم الفن عندنا حتى صار الكل فنانا وكل عمل فنا، حتى هز الكرش بطريقة عشوائية مصحوبا بنغمات موسيقية أصبح نوعا من أنواع الفن! هذا ليس تبخيسا من قيمة أحد لكن، أولى لنا فأولى أن نضع المفاهيم الصحيحة في مكانها الصحيح وإلا فنحن نعيش أزمة مفاهيم!

لعل من أبرز أسباب هذا الوهم الفني الذي يتخبط فيه العالم بأسره، هو مواقع التواصل الاجتماعية، تلك المواقع التي لا تمت بأي صلة لمعاني التواصل بل ربما هو آخر شيء يقوم به روادها، يكفي معها أن تمتلك هاتفا ذكيا ورصيدا من الأنترنت كي تصبح فنانا وبشهادة كل من أعجب بمنشورك! حتى المعايير المتخذة لتحديد الفنان من غيره تشوهت هي الأخرى وصارت ملائمة لأهواء هذا العصر، تكونت فيه كوجيطوا جديدة مفادها: منشورك لديه الكثير من التعاليق وحظي بإعجاب فئة واسعة إذن أنت فنان! هذه القاعدة ليست عامة، فهناك رواد لهذه المواقع ينشرون فنا عظيما يستحق كل أنواع التشجيع والتقدير، بيد أن القاعدة تبنى على السمة الطاغية لا على الأقليات.

وفي منزلة ثانية، وهم الفن هذا ناتج عن مرض سيكولوجي يمكن أن نطلق عليه مرض العصر الخفي، ألا وهو حب الظهور والرياء، فالأولى بالفنان أن يكون فنه نابعا عن شغف أصيل وأن يكون مكتفيا بفنه وإن لم يقدره أحد لأنه وجد فيه ضالته وصار يرى العالم من خلاله، أما اليوم فأكاد أجزم أن نصف أشباه الفنانين لا يمتلكون الشغف وربما لا يطيقون ما يفعلونه وما يدفعهم للاستمرار ليس الفن في حد ذاته ولكن تبعات فنهم المزعوم وربما أرباحه!

ليس عيبا أن تبتغي من فنك مالا وأن يكون ربما مصدر رزق لك، لكن لا تسميه فنا لأن الفن أسمى من ذلك وأرقى بكثير، لا تعش وهم الفن وابحث عن الأشياء التي تعبر فعلا عن دواخلك وعبر عنها بطريقة فنية تكون مجردة من كل أنواع الدنس المادي والزيف الاجتماعي، طريقة تسمو بروحك وتجعلك أقرب ما يمكن منك! الفن ضروري لتوازن الروح وملاذ كل من خنقه الواقع لكن ارجوك لا تكن سببا في حدة الطفرة التي تعرض لها على مر العصور.

1xbet casino siteleri bahis siteleri