التجربة الكونغولية (٢): بلد غني وشعب فقير

560
ربما يرتبط السفر في أذهاننا بالاستجمام والسياحة أكثر مما يرتبط بغيره، غير أن ذلك لا ينفي كونَ فقه السفر وفلسفته في الماضي أكثر ارتباطا بغايات العمل؛ فالرحلات التجارية كان لها الفضل الكبير في تاريخ البشرية في حصول التلاقح الثقافي والتعارف بين الشعوب، حتى أن المؤرخين يتحدثون عن أن الإسلام انتشر في دون شرق آسيا وجنوب شرق آسيا وظل فيها إلى اليوم، بفضل الرحلات التجارية والجهود الدعوية للتجار المسلمين الذين اعتادوا التوجه إلى هذه الدول لأغراضهم التجارية. لكن السفر اليوم، بما أنه أصبح يرتبط بالاستهلاك والدعاية والمصلحة الاقتصادية الوطنية، فلا يُتصور أن يتم تسويق مفهوم للسفر يرتبط بأهداف أخرى غير الاستجمام والاستهلاك الذي يعود على الدول التي تستقبل السياح بعوائد اقتصادية، وفي مقدمتها تعزيز احتياطياتها من العملة الأجنبية.
غير أن السفر، ومهما كانت الغاية الأصلية منه، فإنه يحقق أغراضه الأخرى بالتبع، فهو يعني بالضرورة مغادرة البيئة المألوفة إلى بيئة أخرى، وهو يَـمنحك فرصة تقييم تلك البيئة بعد أن تخرجَ منها وتكون قادرا على رؤيتها من خارجٍ، وبعد أن تنخرط في بيئة أخرى غيرها لتستطيع القيام بعمليات المقارنة اللازمة، وهو أيضا -السفر- يقتضي منك التخلي عن مألوفك اليومي من الأنشطة والأشخاص والأمكنة. ومن هنا نستطيع القول بأن الأهداف المعنوية التي يمكن أن يتغيّـاها كاتبٌ في سفره لا تتغير من حيث الأصل بتغير البلد المتوجه إليه، أو بتغير الغاية الأصلية من السفر. وكل ما يحتاج إليه هو القدرة على الملاحظة والربط بين الأشياء، والتمتع بالقدر الكافي من الفضول المعرفي الذي يدفعه إلى التحقيق والبحث والاستكشاف والسؤال، توسيعا لرؤيته، وتعميقا لفهمه.

 

وهذه الرحلة إلى دولة الكونغو، من حيث القصد الأصلي، لم يكن الهدف منها السياحة والاستجمام، أو اكتشاف بلدان القارة الإفريقية كغاية أصلية باعثة، وإنما كانت في الواقع لغاية عمل، والأمر يتعلق بعمل طبي أساسا. وسياقها يرجع إلى أن الدكتور مهدي هكو تلقى دعوة من حاكم ولاية اوكوتانغا يدعوه فيها إلى الإشراف على تنظيم حملة طبية مكونة من أطباء مغاربة، خاصة المتخصصين منهم في الجراحة العامة، من أجل إجراء مجموعة من العمليات الجراحية تتعلق بالأساس بمعالجة مضاعفات فقر الدم المنجلي. وهو مرض ينتشر في الكونغو بشكل كبير ومقلق. وبعد تواصله معي بخصوص الموضوع المذكور، اقترحت على الدكتور هكو أن يتم تنظيم هذه الحملة من طرف شفاء، بالتواصل مع الأطباء والتنسيق معهم، وتوفير المعدات اللازمة لهذه العمليات. وهو ما تم بالفعل، ليكون هذا أول عملي طبي تُشرف عليه مؤسسة شفاء خارج المغرب.

 

كان من بين أهداف هذه الحملة، بالإضافة إلى الهدف القصدي الأساسي، جعل الأطباء المغاربة ينخرطون في مثل هذا النوع من الحملات، لإدراك الواقع الإفريقي بشكل جيد، والتعرف على الأمراض المنتشرة في البلدان الأفريقية جنوب الصحراء؛ فقد بدا لنا من المعطيات الأولية التي حصلنا عليها أن المغاربة غير منفتحين، بل مُعرِضين على هذه الدول بشكل كبير، فلا يوجد من المغاربة على الأراضي الكونغولية إلا اثنان وخمسون مغربيا، وهو رقم هزيل جدا بالمقارنة مثلا مع ستين ألف لبناني، مع أننا أقرب إلى هذه البلدان من حيث الجغرافيا ومن حيث المشترك أيضا.

 

ويظل مستغربا كيف أن المغاربة لا ينفتحون ولا يتعرفون حقيقةً على القارة الإفريقية، رغم الفرص الكبيرة والكثيرة التي توفرها لهم، بحكم وجود خصاص مهول في كل المجالات تقريبا، وليس في الطب وحده، وبإمكان أي مغربي أن يقوم بأدوار هامة في هذه البلدان.

 

وقد كانت الحملة بالتحديد في مستشفى لومومباشي، لعلاج مضاعفات فقر الدم المنجلي كما ذكرت، حيث تعتبر الكونغو من أوائل الدول التي ينتشر فيها هذا المرض، وهو مرض وراثي، وهو عبارة عن طفرة تصيب مركبا بروتينيا يسمى الهيموجلوبين “اليحمور” ـ Hémoglobine، وهذا الأخير يقع في وسط الكريات الحمراء في الدم، وعندما تصيبه تلك الطفرة يصبح مشوها، لتتشوه كذلك الكريات الحمراء في الدم، ومن ثم يتغير شكلها الدائري، لتصبح على شكل منجل، وهو ما يؤدي إلى تقصير أمد تلك الكريات لمدة تتراوح ما بين عشرة أيام إلى عشرين يوما، عوضا عن المدة الأصلية التي تصل إلى مائة وعشرين يوما، بالنسبة للكريات الحمراء العادية.

 

ويترتب عن الشكل المنجلي لتلك الكريات الحمراء الكثير من المضاعفات، خصوصا مضاعفات الأوعية، وفي مقدمتها فقر الدم، بسبب أنها لا تعيش إلا مدة قصيرة، والهيموجلوبين هو المسؤول عن التقاط ونقل الأوكسجين وتسليمه إلى الأنسجة للحفاظ على حياة ووظيفة الأعضاء في الجسم. فإذن عندما تموت تلك الكريات بسرعة ينتج عن ذلك فقر الدم، ويؤدي إلى مشكل على مستوى تهوية الأعضاء. كما أن تلك الكريات لا ينتقلن بشكل مرن في أوعية الدم الدموية، حيث تلتصق بجدار تلك الأوعية، مما ينتج عنه بطء تدفق الدم، أو ربما انسداده تماما في بعض الحالات. وإذ ذاك يمكن أن تحدث للمصاب جلطة دماغية أو نوبة قلبية، أو قصور رئوي حاد، أو فشل كلوي. والمضاعفات الجراحية التي كان علاجها هدف هذه الرحلة تسمى طبيا بأزمة الاحتجاز الطحالي، حيث يتدفق الدم إلى الطحال، لكنه لا يقدر على الخروج منها بعد ذلك، فيظل محتجزا في الطحال مما يؤدي إلى تضخمها، وهي حالة خطيرة، قد تسبب الوفاة. وعلاجها يتمثل أساسا في استئصال الطحال. ولذلك قمنا بإنجاز عمليات كثيرة عبارة عن استئصال الطحال.

 

ومرض فقر الدم المنجلي على مستوى العالم، توجد 70%من حالات الإصابة به في إفريقيا، فضلا عن أن 90% من الأطفال المصابين به في أفريقيا يموتون قبل الوصول إلى سن البلوغ، و50% يموتون قبل بلوغ سن الخامسة. لأن المضاعفات تكون مميتة، وتقع أخطاء مهُـولَةٌ في التشخيص وفي العلاج بسبب تدهور المنظومة الصحية في تلك البلدان. وبسبب أن هذه القارة تعاني الكثير من الأمراض، لم يكن الكوفيد في القارة الإفريقية بتلك الشراسة التي كان بها في باقي البلدان، كان مجرد زكام عادي. وعلى خلاف المتوقع، لم يسجل عددا كبيرا من الوفيات بسببه في تلك البلدان؛ أو يبدو أنه كذلك، لغياب المعطيات الدقيقة بخصوصه.

 

وبالعودة إلى حالات الإصابة بالفقر المنجلي، فعددها يصل إلى أربعين ألف حالة إصابة في العام في الكونغو وحدها، وخمسة وعشرون في المائة من الأطفال؛ أي واحد من كل أربعة أطفال (4/1) يُصابون بمرض الاحتجاز الطحالي، والذي يستلزم استئصال الطحال، بالإضافة إلى أمراض أخرى منتشرة في هذا البلد كالملاريا والسيدا والكوليرا وهلم جرا من الأمراض الخطيرة، في ظل منظومة صحية فاشلة ومتخلفة، لا تستطيع بحال أن تواجه هذه الأمراض، ولا أن تحد من خطورة الإصابة بها. لأجل هذا، كان الهدف من وراء انخراط شفاء في هذه الحملة تعريف الأطباء المغاربة، وكذا طلبة الطب لاحقا، بهذه الأمراض التي تنتشر بشكل كبير في إفريقيا.

 

ففي الكونغو على سبيل المثال، هناك نقص حاد في عدد الأطباء، إذ لا يتجاوز عددهم خمسة آلاف وتسعمائة وسبعة وستين طبيبا في جميع التخصصات سواء بالنسبة للقطاع العام وكذا الخاص؛ أي طبيب واحد لكل اثني عشر ألف مواطن، دون نسيان أن بعض التخصصات لا يوجد لديهم فيها متخصصون أصلا.

 

ومن أجل إنجاح تنظيم هذه الحملة، كان لازما أن ينخرط فيها أطباء لهم مقدرة على التنظيم والتوجيه والقيادة، فضلا عن الكفاءة المهنية ذات العلاقة بالمهمة، ولذلك اتصلت بالدكتور محمد سيد الناية، وهو صديق قريب، مدير مستشفى مدينة طانطان، ومندوب الوزارة هناك، للاستفادة من خبرته وتجربته الكبيرة في الميدان. وبالفعل، فبحكم خبرته في إدارة مستشفى طانطان ومندوبية الوزارة هناك كانت له قيمة مضافة نوعية وكبيرة، وكان سببا رئيسيا في تذليل الكثير من الصعوبات.

 

بعد الانتهاء من كل الإجراءات، والتنسيق مع الأطر الطبية، وتوفير الأدوات اللازمة، حان موعد الرحلة، حيث توجهنا إلى مدينة إسطنبول في رحلة استغرقت مدة أربع ساعات، ومن إسطنبول إلى كينشاسا -عاصمة الكونغو- التي استغرقت ثماني ساعات. وأثناء إقامتنا القصيرة في إسطنبول، أتيحت لنا فرصة لحضور أحد المعرض حول المعدات والآلات والمستلزمات الطبية. لم يكن من الممكن تفويتها، وزيارة مثل هذه المعارض يُنبهنا دائما ويذكرنا بحقيقة مرة، وإن كنا نعيها جيدا، وهو أنه ينتظرنا عمل طويل ليكون لنا موقع ومكانة بين الدول الرائدة في العالم اليوم في كل المجالات؛ لأننا نعول على الآخرين في كل شيء تقريبا، في مأكلنا وملبسنا، وفي علاجنا وأمننا، وفي كل شيء يخصنا.

 

فقد وقفنا على حقيقة جلية في هذا المعرض، وهو أن تركيا خطت خطوات هائلة في المجال الطبي أيضا، حيث أصبحت دولة مصنعة للمستلزمات الطبية، وهو ما يجعل هذه المستلزمات متوفرة بشكل كبير وبأسعار مناسبة للغاية. وعلى سبيل المقارنة، فالمستلزمات الطبية التي أستعملها في معالجة السمنة هنا في المغرب، أقتنيها في المغرب بثمن مضاعف أربع مرات، مقارنة بثمنها في تركيا. وهذا ما يفسر أن الكثير من المغاربة يذهبون إلى تركيا فقط من أجل القيام ببعض العمليات، كعمليات علاج السمنة وجراحة الأسنان وغيرهما؛ لأن التكلفة الإجمالية للتنقل والإقامة وتكاليف العملية والعلاج تكون في بعض العمليات أرخص من ثمن العملية لوحدها هنا في المغرب؛ فكون تركيا بلدا مصنعا رائدا في المجال الطبي، يجعل العملية لا تكلف كثيرا، كما أنه يسهل على الإنسان أن يبدأ مساره المهني هناك في الطب، خلافا للأمر هنا في المغرب، حيث إن فتح عيادة خاصة بك ليس بالأمر الهين الذي يقدر عليه كل من تخرج في الطب.

 

هذا المعطى يؤدي إلى جلب الأطباء من كل دول العالم إلى تركيا، ومنها الدول العربية للعمل هناك، وهم يجرون العمليات بأثمنة رخيصة مقارنة بأثمنة مثيلاتها في المغرب. وهو ما جعل من تركيا بلدا رائدا في السياحة الطبية. علاوة على ذلك، هناك التقائية في السياسات، وتنسيق بين مختلف المتدخلين، في السياسات الداخلية والعلاقات الديبلوماسية والسياحة والصحة، وهي كلها تؤدي إلى وجود رؤية شاملة، وانسجام وتعاون بين القطاعات. وثمرة ذلك كله نتائج هامة جدا على المستويين السياحي والصحي، وبالتالي على مستوى ازدهار الدولة بشكل عام.

 

وبعد تلك الإقامة القصيرة بإسطنبول، توجهنا إلى الكونغو في رحلة جوية امتدت لثماني ساعات، لنحط الرحال بكينشاسا، التي يقطنها سبعة عشر ألف نسمة، بحيث تأتي في مقدمة المدن الإفريقية من حيث عدد السكان، تليها لاغوس، ثم القاهرة في المرتبة الثالثة.

 

وقد تكلف كوستونت عماري، رئيس الكاف السابق، برعايتنا والقيام على كل ما يخص زيارتنا، حيث استقبلنا أحد أعوانه في المطار، مما سهل كثيرا من مهمتنا، ويسر رحلتنا ووصولنا في ظروف جيدة. ولولا ذلك لعانينا كثيرا، لأننا لا نعرف شيئا في هذه المدينة، وهي مدينة ينتشر فيها الفساد والرشوة بشكل كبير، وقد كان التنقل من المطار إلى الفندق سيكلفنا الكثير من الأموال، لولا استقبالنا من طرف ذلك العون.

 

وقد اكتشفنا خلال مكثنا هناك أشياء غريبة عن شعب هذه الدولة؛ فالمواطنون هناك قد يختلقون مشاكل تافهة جدا معك من أجل الحصول على الرشوة، وهذا ما يفسر أن تصنيف الكونغو حسب “انتيرناشيونال ترانسبرانسي” يأتي في الرتبة مائة وتسعة وستين من أصل مائة وثمانين دولة؛ أي ما قبل الأخير بعشرة مقاعد!! فإذا التقطت مجرد صورة في مكان عام، ودون أن تقوم بتصوير أي شخص، سيأتيك أحدهم ويجادلك بدعوى أنه لا يحق أن تلتقط الصور، وهدفه ليس إلا أن تعطيه بعض النقود تخلصا منه. وهذا الأمر تكرر معنا في الكثير من المرات، وقد أدركنا الأمر جيدا، ولم تنطلِ علينا حيلهم. وبسبب هذا، أُخبرتُ أن المحاماة هناك لا أهمية لها على الإطلاق، لأن كل شيء يتم قضاؤه بالرشوة، فلا دور للمحامي إذا كان للمرء مال يستطيع أن يرشي به الآخرين. ويدلك على حجم الفساد هنا، أننا أطباء، وأتينا في مهمة مفيدة لهذا الوطن، وكنا في رعاية شخصية هامة في البلاد، ومع ذلك تعرضنا لما تعرضنا له من مضايقات، واختلاق للمشاكل الوهمية والتافهة من أجل الحصول منا على بعض الأموال، فما الظن بغيرنا ممن لا يعي كل هذه الحيل؟ أو من مواطني هذه الدولة الفقراء.

 

وهذه المسألة كانت أول ما لمسناه في هذه الدولة، انتشار الفساد والرشوة بشكل مهول ومقلق للغاية، يحول دون أي إصلاح مرغوب فيه. وبجانب ذلك، هناك ارتفاع كبير في الأسعار؛ فقد نزلنا في فندق عادي جدا، وتكلفة غرفة من نفس مستواه في المغرب، مهما كانت غالية، لا تتجاوز أربعمائة درهم، لكن هذه الغرفة في الكونغو سعرها ألف ومائتي درهم مغربية، تتضمن فقط المبيت وفطورا هزيلا للغاية. والحليب وحده سعره ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين درهم لليتر الواحد، وخبزة واحدة بستة دراهم، واللحم بمائة وعشرين درهما، وهي أسعار مرتفعة جدا، لا تتناسب مع الاقتصاد الوطني لهذا البلد وإمكانات شعبه.

 

ومن مظاهر الفساد في هذه الدولة، وجود فوراق طبقية خيالية، حتى أنه لا تكاد تجد صلة بين الأغنياء والفقراء في هذا البلد، فالأغنياء يعيشون في مناطق محروسة ومحصنة، حيث الطرق المعبدة وتوفر الكهرباء والمستلزمات الأساسية للعيش الكريم، وفي حالة إصابتهم بمرض ما، يتداوون خارج البلاد، خاصة في جنوب أفريقيا، كما أن أبناءهم يذهبون للدراسة في الخارج، أو في بعض المدارس الخاصة الراقية في البلاد.

 

في مقابل ذلك، تظل معظم مناطق البلاد لا تتوفر على البنيات التحتية، وخاصة الطرق المعبدة، وهناك فوارق فلكية في الأجور، فهناك مَن أجرته أربعة آلاف دولار، ومن أجرته أربعين دولار في الشهر، والأمر مقبول ومعتاد عليه. وهذا الأمر يضطر الكثير من المواطنين، وهم من يمكن تسميتهم بالطبقة المتوسطة، إلى أن يعملوا في أكثر من عمل، لكي يستطيعوا أن يوفروا ما يحتاجونه من الأموال، وأن يؤمنوا شيئا من مستقبلهم. وأما الفقراء الذين لا يجدون أي عمل، أو عملا لا يدر عليهم دخلا كافيا للعيش في حده الأدنى فهم يقاسون ويلات العيش والأمراض والجهل.

 

ويمكن القول بأن كينشاسا هي نيو دلهي الأفريقية، ويكمن الفرق بينهما فقط في أن نيو دلهي مشكلتها ديمغرافية بالأساس، يرجع إلى كثافتها السكانية الكبيرة جدا، مقارنة بمساحتها الجغرافية، في حين أن كينشاسا مشكلتها سياسية، متمثلة في غياب الإرادة السياسية للإصلاح، وانتشار الفساد والرشوة في المقام الأول، مع أنها أيضا تعاني من كثافة سكانية كبيرة، والتي تصل إلى سبعة عشر مليون نسمة.

 

وبطبيعة الحال، إذا كان الوضع كما وصفتُ في العاصمة، فما الظن بباقي المدن والمناطق النائية؟ لا شك أن الوضع سيكون أسوأ بكثير، وإن لم تتح لنا فرصة التعرف على تلك المناطق بشكل مباشر. وحين تأتي إلى هذه الدولة وتتعرف عليها عن قرب، وترى عندما ترى حجم الاستغلال الذي يتعرض له هذا البلد، وتلاحظ مظاهر الفساد فيه، تدرك وتستوعب أن هذه القارة سيكون عليها أن تنتظر طويلا ليكون لدولها موقع هام بين الدول في العالم، لأن دولة مثل الكونغو يجوز القول بأنها تعيش خارج عصرها، بالمعنى الحرفي لهذه الجملة.

 

وبطبيعة الحال، يمكن إرجاع هذا الوضع إلى عوامل كثيرة، وليس إلى عامل واحد، لكن الظاهر الذي لا يمكن أن تخطئه عين ملاحظ أن هناك حاجة تعليمية وثقافية كبيرة جدا، والمعضلة في المقام الأول هي معضلة غياب السلوك المدني في هذه الدولة، والذي يتأسس ويتغذى على الوعي والثقافة لدى فئات الشعب. وبالتالي فالفساد الإداري والاستغلال الأجنبي هو نتيجة لذلك، وليس سببا له في تقديري؛ ذلك أن الفساد والاستغلال الأجنبي لخيرات البلاد ما كان ليوجد لو كان مستوى من الوعي مترسخ لدى معظم فئات الشعب، تجعله قادرا على المقاولة والتطلع إلى الإصلاح.

 

نعم، يصعب تبسيط الأمر، أو الحسم بعلاقة سببية ما، لأن الأمر في النهاية يمكن أن يكون دائريا، بحيث يجوز القول: إن التحكم الأجنبي في القرار الوطني، عبر الوكلاء الذين يحكمون البلاد، واستغلال الخيرات هو السبب في هذا الوضع، وأن حاصل الجهل والفساد الشعبي المنتشر بشكل كبير جدا هو نتيجة السياسات المعتمدة، وأن تلك النتائج مقصودة؛ لكن فكرة مالك بن نبي عن “القابلية للاستعمار” تظل حيةً، وتقوم نموذجا تفسيريا معقولا لمثل هذه الحالات. فلولا القابلية لمثل هذا الوضع، ما كان ليوجد. {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ} [الرعد: 11].
1xbet casino siteleri bahis siteleri