المعلم الذات المُتجَاوِزة

يشكل سؤال المعرفة في الواقع والفكر والفلسفة إشكالا معقدا يستلزم جوابا متعددا ومنسوجا من جوانب مختلفة، لكن هذا السؤال مهما اختلفنا في الجواب عليه إلا أننا لا نختلف عن أن مصدر السؤال المعرفي نفسه هو المعلم، أي أن طارح السؤال هو إنسان متعلم.

إن المعرفة الحقيقية هي معرفة يستقبلها الإنسان من خلال التعلم والتلقين، وهذا التعلم هو تعلم يحتاج لذات تضبط خصائص المعرفة الأولى، وخصائص التربية والأخلاق والقيم الإنسانية والتعليمية، بمعنى آخر أن هذه الذات يجب أن تنبع بالحيوية الفكرية والقيمية لأنها هي أعظم ذات يقابلها الإنسان وأرقاها، يعني أن المعلم لا يصبح معلما إلا إذا استطاع فهم معنى الرسالية وفقه معنى الأخلاق التعليمية واستطاع التعامل مع الذات المتعلمة لتحقيق الرسالة وتجسيدها في هذه الذات، فهذه الأخيرة تحمل وراءها معرفة أخلاقية أو فكرية مسبقة قد تكون إيجابية أو سلبية، على أن يقوم المعلم بتصحيح هذه المعرفة المسبقة وإخراج براثن الجهل منها، وتكوين ذات مستقلة مفكرة متخلقة… ترتبط بالعلم والمعرفة والسمو الإنساني.

المعلم هو من أدرك حقا مقدار العلم والفكر والأدب والأخلاق والانسان، يستحيل أن يكون المعلم شخصا متساويا مع متعلمه، إنه يحاول الارتقاء بذاته نحو الأعلى كي يقدم معرفة ما، فكيف يمكن للضعيف أن يقوي نفسه بنفسه دون وجود أداة مستعلية عليه -فوقه-، فهو شخص مفتقر لكيان أعلى منه رمزا ومقاما وعلما. فمثلا قد تشهد أمة ما أو حضارة ما حالة معينة في السلم الحضاري، يلزم منها أن يكون بعض أفرادها متجاوزين لهذه الحالة مفارقين لها ومستعلين عليها حتى نستطيع إحداث التغيير الحضاري لهذه الأمة، هؤلاء الأفراد هم نتاج المعلم والمدرس الذي يعتبر الذات التي تجاوزت واقع التخلف والقيود، إلى واقع العلم والحرية.

مقالات مرتبطة

الدهشة الزائلة

حكايا الطريق

لا أتصور أبدا أن يخلو العالم من معلمين أبداً وقد كان من قبل وما يزال هذا العالم يحتاج لمعلمين ومدرسين فلا نعلم أبدا كيف يمكن أن يكون عالم ما خاليا من حاملي ضياء العلم ونوره، سيكون عالما “انتحاريا” يجبر الإنسان على الانتحار بكينونته نحو الجهل والظلام والفساد.

إن رسالة التعليم عبر القرون لم تتغير أبدا، كان ولا يزال هدفها الأوحد هو تحرير الإنسان وصناعة الإنسان الصالح والنافع. فهذه هي رسالة المعلمين الكبار منذ أرسطو إلى معلمي المدارس، وهي جوهر رسالة الأنبياء والرسل والصالحين. فإذا كان المعلم الأكبر للبشرية سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد تتلمذ على يد ذات أعظم منها هي الذات الإلهية المتسامية عن كل المخلوقات، وبلغ الرسالة التي بدأت حروفها بـ “اقرأ” كإعلان واضح للعالم أن الجهل والظلام سلاح الفتك به هو القراءة، فالأساتذة الكرام والمعلمون يحتاجون أن يعلنوا إعلانا صريحا أن اقرأ هي مفتاح الخروج من عالم التردي إلى عالم الترقي.

شكرا لكل من علمنا حرفا أو أقرأنا سطرا، أو كتب لنا جملة، باسم جميع حروف اللغات كلها، نقول لكم أن العالم يحتاج للمزيد منكم يحتاج لثباتكم على رسالتكم النبيلة ضدا على كل أشكال الجهل والتخلف والرجعية والقيود والظلم والميوعة والتزييف.

كل الاحترام والتقدير والعرفان بالجميل لكل أستاذتي ومربيّ الذين بصموا بصمتهم الثابتة والراسخة في قلبي وروحي وعقلي.

1xbet casino siteleri bahis siteleri