الجنون، دُون كيخوتي وطواحين الهواء.. (1/2)

134

كتب الأديب الإسباني ميغيل ذي ثيربانتس بين سنوات 1605-1615 واحدة من أهَم الروايات في تاريخ الأدب الأوروبـي: دون كيخوتي. نُشر هذا العمل في سياق ما يشار إليه عادة بعصر الأنوار في أوروبا. بعيداً عن الجانب الجمالـي في هذا العمل، ثمة جانب مهم أساسي يستحق التأمل. لقد أخرجت رواية دون كيخوتي المَلحمية -من خلال الأدب- أوروبـا من مناخها الفِكري (حيث بدأت كتابات الأنوار تظهر وتسود نظريات العقل في الفلسفة، والنزعات العلمية في كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية…). زعزعت هذه الرواية على نَحو ما هذه السرديات الجديدة لعصر الأنوار والتي أهَمّها المثالية والسُّمو اللذان يحوزهما العقل في مواجهة التراجيديا والخيال والأسطورة.

دون كيخوتي، رجل إسباني بسيط يُدعى ألونسو كيخانو، آمن لوقت طويل بأدب الحماسة وأشعارها وتورط نفسياً في حالة من الانبهار الممزوج بالسذاجة ببطولات الملحميين والفرسان الذين جلبوا الخير ونشروا قيم العدل والحرية. صنع ألونسو لنفسه شبكة من الأساطير بدأها باتخاذ اسم جديد (دون كيخوتي)، وامتطى فرساً هزيلاً ومتعباً وصنع سيفاً ثم تخيل أنه يحب امرأة لم تكن سوى حب الطفولة البعيدة وفي النهاية أقنع صديقه سانشو بنبالة الفكرة وسموها.

يسرد ثيربانتيس وقائع ظهر فيها دون كيخوتي بطلاً عظيماً يحقق العدل ويجلب الخير وينصر الضعيف وفي النهاية قرر بشكل مفاجئ محاربة طواحين الهواء. لقد آمن دون كيخوتي بشكل عقَدي بأن طواحين الهواء كانت شياطين تتحكم في مصائر الناس؛ بالنسبة لدون كيخوتي كانت طواحين الهواء هذه تحرك الشر ولذلك قرر أن يواجهها بالرماح، فما لبث أن أرسله إليها فعلق بها ثم رفعته وأردته على الأرض مكسر العظام ولبث على حاله أياماً عديدة مريضاً.

صحيح أن دون كيخوتي لم يمُت لكنه كان في أيامه الأخيرة يعي جنونه وبدأ يلعن الفروسية ويلعن اللحظات التي قرر فيها خوض المعارك الخاطئة. لقد أظهر ثيربانتس -سواء بشكل مقصود أم لا- أن جنون دي كيخوتي ليس حالة نَفسية خارجة عن العقل، إنها نمط من الأفكار والفعل الإنساني. ربما لم يكن ثيربانتيس يعني الأمر بشكل تام بقدر ما حاول أن يفكر خارج صندوق الحداثة المولودة.

لقد وُضع العقل كمقابل للجنون. وقبل دون كيخوتي، كان يُنظر للجنون كحـالة تقع خارج العقل.. لقد انتظرنـا قروناً أخرى قبل أن يأتـي المؤلف الضخم لـميشيل فوكو: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي. “يدافع” فيه فوكو عن الجنون بوصفه نمطاً من أنماط الوجود الإنساني. لقد مثّل هذا العمل لفوكو هجوماً لاذعاً تُجاه العقل الغربي وبتعبيره: ” الجانب القبيح لعقلنا الغربي“. هل عاد فوكو إلى حيث وقف ثيربانتس؟ من الصعب الجزم، بالنظر للمسافة المزدوجة بينهما تاريخياً ومعرفياً ، لٍكُلٍ جنونه ولا مفر لنا من الإسقاطات، فدون كيخوتي، إذا كان لنا أن نستعير نظارات فوكو، ليس سوى شكلا بين أشكال متعددة من التفكير وليست طواحينه ورماحه سوى تأويل خاص (أو مشترك) للاجتماع البشري والإنساني.

إذا كانت كل حالة نَفسية سواء أتعلق الأمر بالجنون أو بالاكتئاب أو الهذيان، تقع خارج العقل، أو بتعبير بيو-طبي: “مَرضية”، نرى أهمية أن نطرح بعض الأسئلة: من يحدد حدود العقل؟ من يحدد الحالة النفسية العادية؟ متى يبدأ العقل وينتهي؟ بأي منطق وُصف دون كيخوتي بالجنون (ثم بالاكتئاب لاحقاً)؟ لماذا لم يفكر أحدٌ في سؤال: كيف ولماذا جُنّ دون كيخوتي؟

بالرغم من المسافة التاريخية والمعرفية بين عصرنا وعصر دون كيخوتي إلا أن ثمة مفارقة تتعلق بالخطابات التي تتصل بالجنون وقياساً عليه مجمل الأمراض النفسية. ينظر الطبيب إلى ذلك الاختلال في وظائف الدماغ والجهاز العصبي سعياً منه بواسطة الأدوية إلى إعادة التوازن إلى عمل الأعضاء وطبعاً، دون أن نكون قادرين على تعيين حالة التوازن هذه من عدمها ووفقاً لأي معيار يحدث التوازن. كما يسعى المعالج النّفسي وكذا المشتغلين بعلم النفس إلى فهم ميكانيزمات البناء النفسي لكل حالة، تاريخها النفسي المنفصل تماما عن البناءات الأخرى (وإن كان البعض يتجه لأن يقدم نظرة أكثر شمولية على اضطراب السلوكيات، إلا أنها لا تعد حاسمة في تحليل هذه الاضطرابات).

إننا، في نظري، أمام تشظي معرفي في فهم الصحة النفسية كفُسيفساء من عناصر مركبة بشكل معقد. لذلك، لا مناص من أن نقول أن هذا التشظي المعرفي خلق لكل خطاب طواحين هواءه الخاصة ولكل رماحه يُرسلها أنّى ظن مكمن العلّة دوناً عن شروط الـعليل و/التعليل.

لقد وضع كل من ثيربانتيس وفوكو -رغم كل الاختلافات- المسألة النّفسية في وضع متأزم، ليس من خلال الخدوش المعرفية التي أحدثتها في وجه التقدم والنزعة العلمية وحسب بل من خلال وضعها وجها لوجه أمام السرديات الكبرى للعصر -إذا كان لنا أن نستعير تعبير فرنسوا ليوتارد- وطرح السؤال ولو بشكل كاريكاتوري: أيٌّ منّا المجنون حقاً؟ لم يَكُن دون كيخوتي كذلك إلا في نظر أولئك المأخوذين بالوضعية الديكارتية للعالم؛ الذين لا يذخرون جهداً في ابتكار التصنيفات العلمية والطبية لكل الأمراض النفسية دون أن تكون لهذه الأمراض أساس طبي وبيولوجي واضح.

إن غياب الأساس العلمي والملموس لتوصيف الأمراض النفسية، مثل معركة وسجال كبير منذ ستينيات القرن الماضي. لقد كان يُنظر للمقاربة البيو-طبية للمرض النفسي على أنها مقاربة غير واضحة وغير فعالـة جعلت من السلوكات الإنسانية والميولات الفردية تُصنف تبعاً لثانية السوي والمَرضي وهي بذلك تعيد إنتاج نفس التصنيفات للأمراض العضوية. لا يمكن للأمراض النفسية والعقلية أن تكون كذلك -أعني أمراضاً- إلا تلك لها أساس علمي واضح ومنطقي أن تكون خاضعة للملاحظة والتجربة. مرة أخرى، تظهر طواحين دون كيشوت ولكل معاركهُ، الطب النفسي، الدواء، العلاج، الأطباء النفسيين.. لكن دعونا نسأل أولاً: ما هدف هذه المعارك؟

1xbet casino siteleri bahis siteleri