حول قضايا التعليم.. عندما يلح سؤال الإصلاح

بعد انقضاء أسبوع متعب وشاق، تجري العادة أن أفكر جيدا في خطط وبرامج أكسر بها الروتين الممل وأجدد بها النفس للأسبوع الموالي، كأن أشرب قهوتي بمكان مميز رفقة أصدقائي أو أن أزور بيت جدي وجدتي.. هذه المرة وخلافا لعادة تغيير الجو والروتين خارجا، جال بخاطري كثيرا المكوث بالبيت من أجل مشاهدة فيلم.. اقترح علي أحد الأصدقاء عبر الهاتف أن أشاهد الفيلم المغربي الهزلي (قسم 8) خروجا من الدائرة النمطية للأفلام الأجنبية وتجديدا للعهد مع الأفلام المغربية.

الفيلم كان من إخراج جمال بلمجدوب، وبطولة فاطمة خير، رفيق بوبكر، وعزيز الحطاب. تدور أحداث الفيلم حول قصة (ليلى) أستاذة اللغة الفرنسية التي كانت تعيش حياة هادئة رفقة والدها وخطيبها، يبدأ الفيلم على فرحة الأستاذة الشابة وغمرتها إثر انتقالها للتدريس في ثانوية بالقرب من سكنها، لكن سرعان ما تتحول هذه الفرحة إلى جحيم لا يطاق بعد ما ستلاقيه وستعاينه من تخويف وترهيب وشغب وقدح وشتم داخل القسم 8 الذي تم تكليفها بتدريسه.

ذكرتني قصة الفيلم بأحداث مسرحية مدرسة المشاغبين التي كتبها المصري “علي سالم” والتي ارتأى فيها تصوير استهتار مجموعة من الطلبة المشاغبين، الذين يصل بهم تمردهم إلى إصابة أساتذتهم بالجنون وبانهيارات عصبية عنيفة جراء مشاكلهم المعتادة وتماديهم في الشغب والفوضى داخل الفصل الدراسي. ما أثارني جليا في عدة مقاطع سواء في هذا الفيلم الذي صدر سنة 2003 أو في هذه المسرحية التي عرضت سنة 1973 أنهما عرضتا لمشاهد لا زالت تكرر ليومنا هذا بين صفوف مدارسنا، والتي لا زالت لحد الآن تحاكي جزءا ضئيلا من الواقع المرير الذي يتخبط فيه المشهد التعليمي سواء المغربي أو العربي.

إن التعليم قضية إنسانية بالدرجة الأولى، ولعل الباحثين في تاريخ التعليم ونشأته سيدركون أن هذه العملية المعرفية قد ظهرت بظهور الإنسان، فعند الإنسان البدائي وإن لم يكن التعليم بالشكل الرسمي والأكاديمي الذي نعرفه فقد تجلى أساسا في توجيه الأطفال لتعلم مهارات الصيد وجني الثمار، وكذا محاولات تمرير القيم والثقافة والتقاليد للأجيال التالية من خلال التعلم التشاركي عبر ما ينقله الآباء والأجداد كما وصفته عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية مارغريت ميد بالتعاطف والتعرف والتقليد. ثم في مرحلة لاحقة من التاريخ أصبح التعليم يكتسي طابعا أكثر رسمية وتنظيما، وأصبحت عملية نقل المعارف أو تعليم الكتابة والقراءة مهمة يكلف بها أناس ملمون بالمعرفة والخبرة كالكهنة مثلا، وبعد استمرار هذا النظام لسنوات طويلة، وبعد أن أدرك الإنسان أن التعليم قد أصبح عملية ترتقي بإنسانيته وتجعله متفردا على باقي المخلوقات قرر أن يطور منه، فظهرت إثر ذلك المدارس ككيان يحتوي الإنسان منذ صغره ليلقنه المبادئ الأولى في الكتابة والقراءة والأخلاق تحت إشراف أساتذة ومعلمين متخصصين لهذه المهمة النبيلة. ولم تقف الثورة التعليمية عند هذا الحد وفقط، فلما اكتسحت التكنولوجيا العالم الحديث وتلاشت بذلك حدود المكان والزمان ظهر ما يعرف بالتعليم عن بعد سواء عبر تطبيقات رسمية للتواصل أو عبر منصات إلكترونية تعليمية بالدرجة الأولى.

إن المتأمل في هذه الأشواط الطويلة التي قطعها التعليم منذ وجود الكائن البشري إلى ما أصبح عليه الآن ستراوده حتما الأسئلة حول الغاية من هذا التعليم أساسا، أهي حاجة بشرية طبيعية فقط لمواصلة الحياة؟ أهي رغبة في الترقي المادي والطبقي بالدرجة الأولى؟ أهو دافع من أجل امتلاك الوجاهة الاجتماعية أم هو شغف من أجل الارتقاء في مدارج الحكمة وتحصيل المعرفة؟

في الحقيقة، سؤال كـ (لماذا نتعلم؟) وإن بدا سؤالا بريئا وبسيطا فهو يطرح في صلبه عدة إشكالات ومفارقات. فالإجابة المأمولة بعيدة جدا عن الواقع المعاش، ففي هذا الأخير يتعلم الناس غالبا من أجل جمع الشهادات والحصول على وظيفة بمرتب جيد توفر لهم مكانة اجتماعية رفيعة بين العامة، أي يتعلمون بالدرجة الأولى إما من أجل تغطية احتياجات مادية في المستقبل أو لكسب الوجاهة والمنزلة الاجتماعية.

وإننا في كل حال من الأحوال لا يمكننا أن نكذب أو نطيح بمشروعية هذه الغايات، إلا أننا حينما نغير طريقة طرح هذا السؤال من (لماذا نتعلم؟) إلى (لماذا يجب وينبغي أن نتعلم؟) يتبين لنا أن هذه الغايات السالفة الذكر تأتي في مكانة ثانوية وجانبية، إنه لمن الحيف والظلم حقا أن نجعل هدفا لمشروع إنساني سامي كالتعليم ينحصر في تزويد الإنسان بالمعارف من أجل إعداده فقط لسوق الشغل أو لمنحه مكانة اجتماعية يهرب فيها من قهره النفسي.

أما فيما يخص من يعتقد أن التعليم موجه أساسا من أجل وظيفة أو عمل ما هو نفسه الذي يتساءل باستمرار وباستهزاء عن الغاية من تدريس مواد كالفلسفة أو التاريخ أو الجغرافيا، غير مدرك أن التعليم قد ظهر بالدرجة الأولى كأداة للتحرر.. تحرر من دهاليز الجهل والتخلف والقهر المظلمة، وكوعي بإنسانية الإنسان من أجل تمكينه في طرح الأسئلة والبحث عن أجوبة لها، وكذا من أجل تدريبه على خوض الحياة وتطوير قدرته على اتخاذ قرارات مصيرية تهم مستقبله ومستقبل العالم.

إن مأساتنا الكبرى وجريمتنا التي لا تغتفر أننا نجحنا في إنشاء أجيال بأكملها تدرس وتتعلم من أجل الامتحان والشهادة والمعدل والوظيفة فقط، أجيال تحفظ دون أن تفهم وتحلل وتناقش وتنقد، وقد سبق أن أشار الكاتب باولو فريري إلى خطورة هذا التعليم الذي أطلق عليه اسم (التعليم البنكي)، وعلى ذلك يقول في كتابه “تعليم المقهورين”: “التعليم البنكي هو الذي يقوم فيه المعلم بإيداع المعلومات التي تحتويها المقررات -سابقة التجهيز- في أدمغة المتعلمين الذين يقتصر دورهم على التلقي السلبي لتلك الإيداعات. ومن شأن ذلك -التعليم البنكي- أن يخرج قوالب مكررة من البشر تساهم في تكريس الوضع القائم، ولا تسعى إلى تغييره مهما احتوى على أوضاع جائرة!”. وبالتالي فإن مطالبتنا اليوم للأجيال بالإبداع أو الابتكار قد تبدو مطلبا حالما وبعيدا جدا في ظل هذا الأسلوب التعليمي الممنهج الذي ينتج آلاف القوالب المكررة والنفسيات المهزوزة والضعيفة التي قتل فيها روح السؤال والنقد والنقاش قبل أن يولد.

مناهج مكدسة وجامدة، معلومات هامشية، أساليب تعليمية تقليدية ونمطية، ضعف في الكفاءة، اكتظاظ بالقاعات المدرسية، صراع مزمن حول لغات التدريس، تلاميذ وطلبة يحفظون دون قدرة على الفهم والتعبير والتحليل، أساتذة غير راضين عن الوضع، أموال واستراتيجيات ضائعة من أجل إصلاحات ترقيعية لا تصل أصلا لعمق الأزمة… كلها صور تؤثث للمشهد المكلوم لواقع المدرسة والجامعة العربية والمغربية.

إن الخوض ومحاولة تعداد وتعريف مكامن الخلل التي تعمق من أزمة التعليم بالمغرب بصفته واحدا من الدول العربية التي لا زالت تواجهها تحديات جمة بالمجال التعليمي يسوقنا إلى جملة من التأويلات الفوضوية والآراء المتباينة التي تعمق من مأساوية المشهد وضبابية الرؤية. ففريق يرى أن الخلل في فرنسة نظام التدريس ومن هؤلاء تتخرج فئات مختلفة منها من ينادي بالتعريب، ومنها من يدعو إلى اللحاق بركب الأنجلوفونية، ومنها أيضا من يحلم بمناهج باللغة الأمازيغية، ومنها من ينتصر للعامية وللهجة بدل اللغة أصلا.. ولكل فئة مبرراتها ووجهة نظرها.

أما فريق آخر فيرى أن الخلل يكمن في ضعف كفاءة المدرسين واستهتارهم المستمر بسبب إضراباتهم المتكررة، وبالعودة إلى فريق الأساتذة فيؤكدون أن المشكل يقبع وراء استراتيجيات الدولة التي تصرف النظر عن المدرسة العمومية وعن ملفاتهم المطلبية، وبالتالي فإن الإضراب بالنسبة لهم ما هو إلا تعبير عن عدم رضاهم بالوضعية الحالية وعن رغبتهم الدفينة في التغيير. وقد أدى هذا النقاش المحتذم إلى تشويه لصورة المدرس داخل المجتمع المغربي، الشيء الذي عمق من أزمة التعليم. وبخصوص هذه المسألة يقول مولاي مصطفي البرجاوي، أستاذ مغربي في علوم التربية، في كتابه “حول التربية والتعليم في المغرب.. واقع وآفاق”: (كيف يمكن لإصلاح تربوي أن يتحقق في ظل الهجمة الشرسة على المدرس وتشويه سمعته في المنابر الإعلامية الرسميةـ في وقت نجد دولًا أخرى تتوخى الإصلاح فعلًا، تضع المدرس في قائمة السلم الاجتماعي (اليابان وألمانيا مثلًا)؟)

ويضيف البرجاوي متسائلًا: (أنى لإصلاح تربوي أن يتحقق في مشروع يجعل المدرس في الهامش وآخِر من يعلم بالتعديلات والتغيرات المزمع إدخالها على المنظومة، لإخراجها من عنق الزجاجة، ليقتصر دوره على تنفيذ المنهاج الدراسي؟ أنى لإصلاح تعليمي أن يتحقق في ظل برتوكولية وشكلية تكوين المدرسين؟ وأنى لإصلاح تعليمي أن يتحقق في ظل الظروف المزرية التي يعيشها المدرس في العالم القروي، مما ينعكس سلبًا على المراحل الموالية في التعليم للمتعلمين؟).

أما آخرون فيرون أن المشكل يكمن في خوصصة القطاع وممارسة الميز في هذا الحق الإنساني الذي يستوجب العدل والمساواة في الحقيقة.. وفريق آخر يعزو ذلك إلى ابتزاز التلاميذ بالساعات الإضافية..أما بالحديث عن التعليم العالي فالأمر يزداد تعقيدا، إذ تتباين الآراء حول أصل المشكل بين مشاكل البحث العلمي العميقة وبين الفساد الإداري والأخلاقي وكذا الاكتظاظ المهول مع انعدام التأطير البيداغوجي والأكاديمي، فضلا عن غياب التجهيزات والبنيات التحتية الأساسية من مختبرات ومراكز للبحث ومعدات ووسائل تعليمية تساير العصر.

لقد تعددت الأسباب والآراء والتأويلات والخلل واحد ومزمن، فمن المسؤول حقا، وكيف السبيل إلى الإصلاح وسط كل هذه الفوضى العارمة؟

إن من وجهة نظري، أن أزمة التعليم ببلادنا أو بسائر بلدان العالم العربي هي أزمة ثقة بالدرجة الأولى، وبناء على هذا فإن كل محاولات الإصلاح التي ستغيب في استراتيجياتها محاولة إعادة وتجديد الثقة بين الرباعي الأهم في العملية التعليمية (الوزارة والأستاذ والتلميذ وولي أمره) سيكون مصيرها الفشل والتقهقر. فأي إصلاح هذا والعلاقات بين هذه المكونات يشوبها التوتر والتشنج، وقد تصل في بعض الأحيان إلى الضغينة والكراهية حتى؟!

حينما يدرك التلميذ والطالب أن المدرسة أو الجامعة ليست سبيلا فقط للحصول على العمل أو الوظيفة أو أنها ملجأ يختبئ فيه من عائلته ومحيطه لممارسة العنف والانحطاط الأخلاقي والتربوي، بل أنها بالدرجة الأولى بيئة لترقي الإنسان بإنسانيته ونضجه وهي فرصة لتذوقه من مختلف الأطباق الفكرية والعملية والثقافية التي تضمن له تشكيل وعيه الخاص وبناء شخصيته المتفردة.

وحينما يدرك الأستاذ أنه يحمل رسالة إنسانية تحمل طابعا قدسيا قبل أن تكون مهنة يتقاضى عليها أجرا ماديا، وأن مهمته تستلزم البحث المتواصل وتجديد المعلومات وكذا أساليب التلقين والتعليم، بدل أن يتحول إلى مجرد آلة مختصة في إلقاء وتكرير المعلومات لسنوات متتالية مع حشو التلميذ والطالب بشكل تنعدم فيه روح الفضول والإبداع.

وحينما تدرك الحكومة أو الوزارة أن التعليم قضية لا تقبل بإصلاحات ترقيعية أو استراتيجيات متذبذبة الرؤية، وأن الأزمة تقتضي تشخيصا دقيقا للمعيقات والاختلالات التي تقف حجر عثرة أمام كل إصلاح تربوي، إضافة إلى التعاطي بجدية لبرامج الإصلاح الرامية لتجهيز البنى التحتية الأساسية مع تحفيز الشغيلة على المزيد من العطاء، دون إغفال لمعيار المواكبة والتتبع المستمر.
وحينما يدرك أولياء الأمور أن المدرسة لا تلغي الدور الأساسي للأسرة في الارتقاء بالمهمة التعليمية والتربوية، وأنهم شركاء حقيقيين من أجل خلق فضاء تربوي للطفل قادر على تخليقه وتحريره من أغلال الجهل والانغلاق والتقوقع. كما أنهم ملزمون بتحمل كامل المسؤولية مع المدرسة في الانخراط في مشاريع الإصلاح وترسيخ قيم ومبادئ السلوك المدني والديمقراطي والحداثي.

حينما تتحقق كل هذه التصورات السالفة الذكر -وإن بدت بعيدة المنال في ظل كل هذا التخبط والفوضى- حينها فقط يمكننا الحديث عن مسارات جدية في الإصلاح التربوي وفي المشهد التعليمي المنشود!

1xbet casino siteleri bahis siteleri