ورطة الغرب في غزّة!

من الأعراض الجانبية للعدوان على المدنيين في غزة أنه وضع العالم الغربي في ورطة لم يسبق له أن وُضع فيها، وكشف زيف الكثير مما يدعيه؛ فقد وجدت الدول الغربية وإعلامها أنفسهم أمام جرائم الاحتلال، وهي تبثُّ بشكل مباشر، وعليهم أن يُصدقوا روايته، وأن يغطوا على ما يرتكبه من وحشية وحرب إبادة جماعية. ورغم الحشد الإعلامي الغربي الكبير لخلْق صورة وحشية لحركة حماس وتصنيفها منظمة إرهابية، وحمل الناس على اعتقاد أنها شر مطلق يجب توحيد الجهود للقضاء عليه، إلا أن ذلك كله فشل أمامَ منظر الأشلاء البشرية الممزقة، وأمام جثث الأطفال ضحايا الهمجية الإسرائيلية، ومنظر قصف المستشفيات والمدارس والإقامات السكنية، ودون تحقيق أية نتائج عسكرية تُذكَر.

تتمثل هذه الورطة في كون الأكاذيب الإعلامية وتصريحات المسؤولين التدليسية لم تكن كافية في تهدئة الرأي العام الداخلي في تلك الدول، خاصة مع سابق تجربتهم بأكاذيب مسؤوليهم في مثل هذه الحالات؛ فقد سبق لهؤلاء أن صدقوا أكذوبة “سلاح الدمار الشامل”، الذي اتُّخذ كذريعة لاحتلال العراق في سنة 2003. وبعد أن تم قتل آلاف المدنيين وتخريب دولة واعدة، اعتُذر بالقول بأن المعلومات الاستخباراتية التي أفادت بوجود أسلحة الدمار الشامل لم تكن دقيقة. والأمر نفسه ينطبق على أفغانستان، فبعد سنوات عديدة من الحرب ضد حكومة طالبان، خرجت القوات الغربية مدحورة من أفغانستان، وبقيت طالبان تحكم البلاد؟ ويتساءل الناس هناك في أمريكا: ماذا تحقق من عشرات السنوات من الحرب؟ وما الذي يبرر قتل الآلاف من المدنيين، فضلا عن مقتل الآلاف من العسكريين الأمريكيين أيضا؟

لقد راجت الأكاذيب على كثير من الناس في ذلك الوقت، لكنّ الأمر أصبح صعبا اليوم، في ظل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، والبث المباشر لمناظر الإبادة الجماعية من كبريات القنوات الفضائية وبكاميرات هواتف الأفراد العاديين. ومع ظهور تحقيقات صحفية تؤكد أن سلاح الجو الإسرائيلي قصف التجمع الجماهيري الإسرائيلي يوم السابع من أكتوبر، بعد العملية العسكرية لحركة حماس، وأنه مسؤول عن قتل عدد غير قليل من المدنيين الإسرائيليين والأجانب، اهتزت الثقة أكثر في الرواية الإسرائيلية لما جرى يوم السابع من أكتوبر. وكل ذلك أسهم في إفشال البروباغندا الإعلامية الإسرائيلية والغربية التي حاولت ترويج الرواية الإسرائيلية والدفاع عنها.

ومن أسباب هذا الفشل الإعلامي لجيش الاحتلال وداعميه أن الحرب هذه المرة من حيث الشكل قد بدأت من طرف المقاومة الفلسطينية ـــــ مع علمنا أن العملية التي قامت بها حماس هي نتيجة تراكمات ووضع إنساني غير مقبول يعيشه القطاع منذ زمن طويل ــــ ولذلك قلنا بأن الأمر يتعلق بالجانب الشكلي، أما من حيث الجوهر فالاحتلال هو الذي بدأ الحرب بسياسات التحرش والتضييق والأسر التي كان ينتهجها منذ سنوات. وقد كان من نتائج ذلك أن جيش الاحتلال لم يتمكن من التمهيد للحرب إعلاميا، بعد أن فوجئ بالعملية العسكرية الناجحة التي قامت بها المقاومة. وقد كان على إسرائيل أن تقدم رواية عاجلة للعالَم، رغم ما يشوبها من نقائص، جعلتها غير قابلة للتصديق إلا من ذوي عمى البصيرة من الداعمين للكيان، إنْ هم قد صدقوها بالفعل.

لقد كانت العملية العسكرية لحركة حماس في يوم السابع من أكتوبر المشهود مفاجئة لجيش الاحتلال، وجعلته محرَجاً أمام شعبه أولا، وأمام الممولين والداعمين الغربيين له ثانيا؛ فقد أُخِذَ على حين غرة، فبدأ حملته الهمجية بقصف كل شيء، بشرا وحجرا، دون تمييز بين المدنيين والعسكريين، ولا بين الإقامات السكنية والمستشفيات والمدارس وبين الأهداف العسكرية. والحق أن هذه الهجمية كلها لم تكن لها أهداف عسكرية معقولة وقابلة للتحقق، وإن ادعى ذلك. كل همجيته التي شهد عليها العالَم كانت مجرد حالة غضب عارمة، نتيجة الحرج الشعبي والدولي، فانكشَفت مزاعمُه لمن له عقلٌ يعي، كما انكشف العالم الغربي المزيف في دعمه المطلق له.

وقد كان من آثار هذا الدعم المطلق للكيان أنْ نشأ نقاش بين المواطنين الأمريكيين باعتبارهم دافعي الضرائب، وشرعوا يتساءلون: لماذا الولايات المتحدة الأمريكية بوحدها تدفع ما يقرب من نسبة 92 في المائة من سلاح إسرائيل، ومساعدات مالية تقدر قيمتها بـ 3,6 بيليون دولار في كل سنة؟ ففي الولايات الرئاسية الثانية لباراك أوباما، وبالأخص في سنة 2016، تم توقيع اتفاق بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، بمقتضاه ستدفع الولايات المتحدة لها ما يصل إلى 36 بيليون دولار بحلول العام 2026، علما أن مجموع المساعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة لدولة الاحتلال منذ 1946 إلى حدود 2023 يصل إلى 124 بيليون دولار. وفضلا عن ذلك، يتساءل الأمريكيون: لماذا الولايات المتحدة في الأصل اختلقتْ الحرب العراقية، والتي أدت إلى وفاة 4492 جنديا أمريكيا، إضافة إلى وفاة 2462 جنديا أمريكيا في أفغانستان؟

هذا، دون النظر في مقتل الآلاف من المدنيين من غير الجنود الأمريكيين. فبعد أحداث 11 شتنبر 2001، انخرطت أمريكا في عدة حروب، أدت إلى قتل أكثر من خمسمائة ألف مدنيٍّ في العراق وأفغانستان وسوريا وباكستان واليمن، وذلك كله تحت ذريعة محاربة الإرهاب. ولذلك عادت إلى الواجهة في الآونة دعوات غربية إلى مراجعة هذا المفهوم، باعتبار أنه ليس إلا ذريعة للتصرف خارج القانون. وأقبل عدد من الأمريكيين على إعادة قراءة رسالة بن لادن للشعب الأمريكي، وهي الرسالة التي بيّن فيها بن لادن بأن العداء لأمريكا، ليس من باب معاداة السامية، وليس من باب الكراهية، بل بسبب حربها على المسلمين والأبرياء في فلسطين وغير فلسطين، وبسبب الأموال التي تُغدقها على إسرائيل وحروبها على المدنيين في فلسطين.

وقد دفعت المناظرُ البشعة والوحشية، التي تابعها العالَم في العدوان على غزة، الكثيرَ من المواطنين الأوروبيين أيضا إلى مراجعة بعض المسلمات حول الإرهاب والجماعات الإسلامية، رغم الحملات الإعلامية الشرسة المستمرة لعقود طويلة من الزمن لشيطنة كل ما هو إسلامي. ففي ظل الحرب على غزة، بل وبسببها، تابعنا عددا كبيرا من المواطنين الغربيين يُعلنون إعجابهم بالإسلام أو اعتناقه، ومظاهرات حاشدة لم تشهدها دول كبيرة منذ سنوات، مثل مملكتي بريطانيا وإسبانيا للتضامن مع فلسطين. بل إن إسبانيا، كدولة، فاجأت العالَم الغربي حين عبرتْ عن خروجها عن الإجماع الأوروبي في الانحياز ودعم الكيان من غير شرط أو قيد، وبرغبتها في السعي إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية بشكل منفرد، في حال لم يَقم الاتحاد الأوروبي بأية خطوة في هذا الاتجاه.

إن موقف الصمود الذي وقفه الفلسطينيون في الحرب التي تُشن عليهم من غير جريرة ارتكبوها، أثارت إعجاب الإنسان الغربي، وجعلته يتساءل: ما الذي يُحفّـزُ هؤلاء للمقاومة بهذا الصمود والثبات رغم التفاوت المهول بين موازين القوة؟ ما الذي يجعلهم يرضون بالقليل، ويفرحون بالأقل؟ ما الذي يقوي لديهم القدرة على الصبر على الفواجع بهذا الشكل؟ وما الذي يحملهم على احتضان المقاومة ومناصرتها ودعمها كجزء لا يتجزأ منهم؟ ما الذي يجعلهم يوقنون بأن النصر والعاقبة ستكونُ لهم، رغم قلة الحيلة وضعف العدة والعتاد؟ وغير ذلك من التساؤلات التي تجعل المرء يُعيد النظر في مسلماته بل وفي رؤيته للعالَم. فمنظر الإنسان، مقهوراً وقد قُتّلت عائلته، وهو يردد عبارات من قبيل: “الحمد لله والشكر لله ولا إله إلا الله”، قد أصابت الكثيرين بالحيرة، وجعلهم يُقبلون على الإسلام لفهمه وإدراك حقيقته، بعد أن كانوا يعتنقون المادية، المسؤولة عن الكثير من العدمية وغياب المعنى والاكتئاب التي يواجهه الكائن الغربي اليوم.

بناء على ما سبق، يمكن القول بأنه بالرغم من كل الآلام التي رافقت هذا العدوان على غزة، وبالرغم من تكلفة العدوان الباهظة في الأرواح البريئة وفي البنية التحتية للقطاع، فإن عالَم ما قبل السابع من أكتوبر سيكون غير العالَم ما بعد السابع من أكتوبر، وأنه بغض النظر عن مآل الحرب، فسيكون الحال أفضل من ذي قبل، وأن تغيير هذه التصورات حول القضية وحول المسلمين بشكل عام هو انتصار في حد ذاته للمقاومة الفلسطينية، قبل الانتصار الحقيقي بطرد الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشريف.

1xbet casino siteleri bahis siteleri