قراءة في رواية ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي

252

رواية ذاكرة الجسد، تعتبر من أشهر روايات الكاتبة والأديبة الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي المزدادة بتونس بتاريخ 13 أبريل 1953، تعتبر من أبرز الروائيات المؤثرات في العالم العربي، ومؤلفاتها من بين الأعمال الأكثر رواجا في العالم، كما أنها من أوائل الجزائريات اللائي كتبن باللغة العربية، لقبت بـ “فنانة اليونسكو”، وحملت رسالة المنظمة من أجل السلام لمدة سنتين.

عالجت رواياتها مجوعة من المجالات، خاصة تلك المتعلقة بحقوق المرأة والحوار بين الثقافات ومكافحة العنف، وكانت رواية ذاكرة الجسد من أهم وأنجح الروايات التي أصدرتها، لدرجة أنها نالت جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية التي تعد من أهم جوائز الإبداع على مستوى الأدب العربي.

كان عام 1993 هو تاريخ إصدار رواية ذاكرة الجسد، عن دار النشر دار الآداب، عدد صفحاتها 383 صفحة، بلغت طبعاتها حتى فبراير 2004، 19 طبعة، ليباع منها أكثر من 3 ملايين نسخة، فتحرز بذلك على لقب رواية القرن، وتتحول فيما بعد إلى مسلسل تلفزيوني عرض على الشاشة الصغيرة في رمضان عام 2010، بطولة الفنان السوري جمال سليمان، والفنانة الجزائرية أمل بوشوشة، الذي لقي نجاحا كبيرا في ذلك الوقت، لكن نجاح الرواية كان أكبر منه بكثير.

ولعل سبب هذا النجاح راجع إلى قدرة الأديبة مستغانمي الرهيبة في سرد الأحداث بطريقة رومانسية محضة، في ظل سياق تاريخي عميق، تكتسح من خلاله الطرق السلسة العبقرية، جمال الكلمات وتدفق المشاعر في التركيب، قلوب الشباب والشابات، خاصة فئة النساء. عظمة أفكارها، رهافة أحاسيسها وتركيبة أحداثها الساحرة، تخلق لدى القارئ شغف متابعة الأحداث، دون توقف.

تناولت الرواية، قصة شاب جزائري رسام، يدعى خالد بن طوبال (بطل الرواية)، بطل من أبطال ثورة 1945م في الجزائر على المغتصبين الفرنسيين، كان من أشجع الجنود في كتائب السي الطاهر، كان يحارب بكل ما أوتي من قوة وشجاعة.

فقد خالد يده في آخر معاركه على أرض الجزائر، فتركها مهاجرا إلى فرنسا، لأنها لم تعد كما كان دوما يحلم بها، بل احتلها الفساد، قانون المصلحة وأصحاب النفوذ والسطوة، تنحت القيم والمبادئ والأخلاق جانبا، وتنحى معها خالد إلى فرنسا ومكث فيها طويلا، ما يقارب 20 سنة. هناك عظمة ما، في أن نغادر المكان ونحن في قمة نجاحنا، إنه الفرق بين عامة الناس.. والرجال الاستثنائيين!

أصبح خالد رساما مشهورا مبدعا في فرنسا، لدرجة أنه أصبح يقوم بمعارض خاصة، يعرض فيها رسومه على الجمهور الذي يظل متحمسا لجديد أعماله، وكانت أحد تلك المعارض سببا في لقائه صدفة مع حياة ابنة السي الطاهر، ذاك المناضل الجزائري الذي كان صديقا لخالد أثناء ثورة التحرير، لكنه للأسف، قتل أثناء الحرب التحريرية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر.

“هناك لعنة ما تلاحق الرسامين دون غيرهم، وهناك جدلية لا تنطبق إلا عليهم، فكلما زاد عذابهم وجوعهم وجنونهم، زاد ثمن لوحاتهم حتى أن موتهم يوصلها إلى أسعار خيالية وكأن عليهم أن ينسحبوا لتحل هي مكانهم.”

وقع خالد مباشرة في حب حياة “حبا من الوهلة الأولى”، فهي أيضا أتت من أجل ذلك، أتت بحثا عن الرجل الذي رافق والدها في الحرب، فتتطور العلاقة إلى عشق وأحلام وحياة متكاملة عمل خالد بكل جهده كي تكون من طرفين متبادلين، لأن حياة تصغره ب 25 سنة، ولا يدري إذا ما كانت تبادله ذات الشعور، أم أن ما كانت تشعر به مجرد ارتياح فقط، الارتياح الذي عوضت فيه غياب والدها، فقد وصل في حبها إلى درجة الجنون، وكان يتمنى في أعماق روحه لو تبادله حياة ذات المشاعر، فظل يعيش فترة على ذلك الأمل الكبير وفي نفس الحلم.

“ما زلت أتساءل بعد كل هذه السنوات، أين أضع حبك اليوم؟ أفي خانة الأشياء العادية التي قد تحدث لنا يوما كأية وعكة صحية أو زلة قدم.. أو نوبة جنون؟ أم.. أضعه حيث بدأ يوماً؟ كشيء خارق للعادة، كهدية من كوكب، لم يتوقع وجوده الفلكيون. أو زلزال لم تتنبأ به أية أجهزة للهزات الأرضية. أكنتِ زلة قدم.. أم زلة قدر؟”

لكن ما حدث لم يكن لا في التخطيط ولا في الحسبان، ففي يوم من الأيام، وصلته دعوة لحضور زفاف، زفاف من يا ترى؟ زفاف حياة على أحد قادة العسكر من أصحاب النفوذ والسطوة، وأين سيقام الزفاف؟ في قسنطينة. ماذا سيفعل خالد؟ هل سيذهب لمدينته التي لم يطأ ترابها منذ أزيد من 20 سنة؟ وهل سيحضر زفاف محبوبته التي أحبها حد الجنون، كيف يمكن لخالد أن يواجه حقيقتين مرتين معا؟ لقد حضر العرس وواجه ذاكرته، فقتلها وقتل قسنطينة في ذاك المكان، مع كم وافر من الألم الذي لا يوصف، بعد 20 عاما، ها هي المدينة والحبيبة تقتلان الفنان والمناضل، والأمر إلى غير رجعة.

حزم خالد أمتعته مودعا كل من قتلهم وقتلوه متوجها إلى باريس، فقرر دفن حياة في رواية وقتل حبها الذي سيكتبه على ورق وينثره مع الريح. “ما دام الفراق هو الوجه الآخر للحبّ..، والخيبة هي الوجه الآخر للعشق..، لماذا لا يكون هناك عيد للنسيان يضرب فيه سعاة البريد عن العمل، وتتوقّف فيه الخطوط الهاتفيّة، وتمنع فيه الإذاعات من بثّ الأغاني العاطفيّة… ونكفّ فيه عن كتابة شعر الحبّ!”

استطاعت أحلام مستغانمي بجدارة كبيرة تصوير تلك العودة الحزينة لخالد بن طوبال بطريقة شاعرية فياضة بالصور واللمسات الإبداعية، مجسدة بذلك فعلا ذاكرة الجسد، ذاكرة كفاح، اغتصاب حق، تشرد أحلام وضياع هوية، ذاكرة بلد المليون شهيد. بل الأكثر من ذلك، أنها حاولت جعل القارئ ينغمس في الشعور بالمحسوسات والحب المادي البات، ذاك من خلال إحداث تخليد لمعاناة أبطال الكفاح الجزائري بلون مختلف وبشعور الحب الجميل الموجع.

وختاما، فقد صدق نزار قباني حين قال عن هذه الرواية وكاتبتها:
“روايتها دوختني. وأنا نادرا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق؛ فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني وخارج على القانون مثلي. ولو أن أحدا طلب مني أن أوقع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر.. لما ترددت لحظة واحدة» ويتابع نزار قباني قائلا: «هل كانت أحلام مستغانمي في روايتها (تكتبني) دون أن تدري؟ لقد كانت مثلي تهجم على الورقة البيضاء بجمالية لا حد لها وشراسة لا حد لها.. وجنونا لا حد له.. الرواية قصيدة مكتوبة على كل البحور بحر الحب وبحر الجنس وبحر الإيديولوجيا وبحر الثورة الجزائرية بمناضليها، ومرتزقيها وأبطالها وقاتليها وسارقيها، هذه الرواية لا تختصر ذاكرة الجسد فحسب ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري والحزن الجزائري والجاهلية الجزائرية التي آن لها أن تنتهي…” وعندما قلتُ لصديق العمر سهيل إدريس رأيي في رواية أحلام، قال لي: “لا ترفع صوتك عالياً.. لأن أحلام إذا سمعت كلامك الجميل عنها فسوف تجنّ… أجبته: دعها تُجن.. لأن الأعمال الإبداعية الكبرى لا يكتبها إلا مجانين.”

1xbet casino siteleri bahis siteleri