وجه آخر للطب!

كثيرون هم من يرون الطب كمهنة نبيلة، والأكثر حظا ذاك الذي استطاع أن يجتاز مباراة الولوج ليصبح طبيبا. لكن، القليل منهم من يدرك المغامرة التي على طالب الطب خوضها ليغدو طبيبا. ما إن تطأ قدمك كلية الطب حتى تجد نفسك فوق سجادة حمراء، تمشي برأس مرفوع وفخر غير مسبوق، وكل من هناك يخبرك أنك من نخبة النخبة ويقدمون لك من التشجيع ما لم تعشه من قبل. يعلو طموحك وتكبر أهدافك، تنتظر الدروس التطبيقية بحماس بغية ارتداء الوزرة البيضاء وتعزيز صورتك على مواقع التواصل الاجتماعي لتخبر الجميع “أنك بالطب التحقت.”

تمر السنة الأولى أو كما أحب تسميتها: سنة الوهم بأمان، لتدخل بعدها حربا ضروسا مع السنة الثانية والتي أقسمت على إعادة تربيتك من جديد؛ سنة كفيلة بجعلك تراجع رغبتك في المواصلة أو التوقف مهما كانت أسبابك لولوج كلية الطب. حرب نفسية قاسية، خلالها فقط تكتسب مناعة ضد أي نوع من الضغوطات الممارسة، وتخرج منها مطأطأ الرأس، خائر القوى.

تبدأ التداريب الاستشفائية، ويضاف لاسمك طبيب خارجي لقب واحد كاف للملمة مخلفات سنة عرف عنها أنها الأصعب، بلهفة كبيرة، تتحمس للقاء المرضى وخوض أسلوب عيش جديد، لكنك قد تصدم بواقع المستشفيات المرير، ومع ذلك يكون الشغف أقوى من أي شيء؛ نشوة الحقنة الأولى، الحراسة الليلية الأولى، سماعك لأحدهم يناديك: دكتور، فجاعة مواجهة الموت وصراخ المريض ألما للمرة الأولى، كلها أحاسيس لن تباغت إلا طبيبا… ومع الوقت، تتعلم كيف تفصل بين عالمين يفصل بينهما ارتداؤك للوزرة وإزالتك لها.

تمضي السنوات، ما بين تداريب استشفائية ودروس نظرية لا تختلف صعوبتها عن سابقتها، وفي كل هذه السنوات الطويلة، تعيش كل أنواع التقلبات النفسية، الجميلة منها والبشعة..تتغير شخصيتك وكذا نمط حياتك، تدرك عندها جيدا أن لا شيء في الحياة أهم من الصحة وإن ملكت من مسببات السعادة السطحية ما يكفيك؛ تتعلم الرضى، تداوم شكر الله على نعمه الكثيرة التي يغدق علينا بها وتكتسب الصبر عادة، تصبح الكتب والأقلام صديقك الحميم، وزملاء المهنة عائلتك الثانية، هم الوحيدون القادرون على فهم ما تمر به، تشجعون بعضكم البعض وتحقنون بعضكم بجرعات من الأمل والتفاؤل والطاقة الإيجابية.

حتما، لن يفهم أحد حجم المخاوف التي يواجهها الطبيب طيلة سنوات تكوينه؛ خوف من تفويته لمعلومة قد تأتي على هيئة سؤال في امتحان، خوف من امتحانات لا تكشف عن حقيقة مستواك، خوف من دوامة الدرجات التي تضعك على شفة حفرة من تكرار السنة، خوف من الطبقية السائدة بين مختلف المناصب..بهذا، يعيش الطبيب في دوامة من الخوف حتى يصير هو الأصل وما دونه فرع.

مع كل ما سبق، يبقى الطب المهنة الوحيدة التي ستجعلك تشعر بالرضا رغم كل شيء، ستجعلك تحبها مهما صعبت وسيصير الطب هوسك الوحيد مهما كانت نيتك الأولى يوم دخولك عالم الطب. فكما جاء في كتاب الكاتب الطبيب آدم كاي: “لا توجد مهنة أفضل من هذه المهنة في العالم.”

مقالات مرتبطة

أنا وأبي

الضياع ..

1xbet casino siteleri bahis siteleri