العبودية الرقمية

لم يعد ثمة بصيص أمل ولا طوق نجاة لهذه البشرية إلا بمراجعة أمرها تجاه الهواتف الذكية والعالم الرقمي بصفة عامة، وتعديل البنود التي تربط هذا الإنسان بالعالم الرقمي وفقا لمتطلبات العيش السليم. فلا جرم أنه قد ولى زمن كان اللقاء فيه بين الأحبة لا يفتر، كلام وضحك وغناء…بل وعويل وبكاء إن اقتضى الحال ذلك.

كنت كلما ذهبت للجلوس بالمقهى تحمل كتابا أو تدعو خليلا لتتنعم برفقته بدفء فنجان قهوة أو تبديان نواجدكما ضحكا على نسمات شاي أخضر. كنت تغيب عن أهلك وأبناء عشيرتك زمنا فتعود إليهم وأنت فرح، كاد قلبك أن يتشقق ليفصح عما بداخله من فرح وسرور وشوق. تتوق للقاء والدتك بعدما تشربت حر الغربة ومرارة البعد تاليا كلمات محمود درويش: أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمي ولمسة أمي وتكبر في الطفولة يوما على صدر يوم وأعشق عمري لأني إذا متّ، أخجل من دمع أمي!
لقد راح الزمن الي كنت تشتاق فيه للجلوس على انفراد مع أبيك، حتى تتشرب الدروس والعبر الجديدة التي حصلها إبان غيابك بعدما استفدت من تجاربه القبلية، حينما كان يحضنك ويرافقك في مجمل محطات عمرك، يلاعبك تارة ويِؤدبك تارة ويصاحبك تارة أخرى، ودائما ما كان يغطي كل ذلك بالرحمة الأبوية التي تلي الرحمة الإلهية. وصدق الإمام البوصيري رحمه الله إذ قال:
وإذا رحمت فأنت أم أو أب *** هذان في الدنيا هما الرحماء.
مع غزو الهواتف الذكية، اعتل الذكاء والفطنة فأصبح الكل أشبه بمصلين في مسجد يتمثلون ديانة دخيلة محدثة وجديدة، انخرطت فيها أغلب الفئات العمرية. إن تصفح الهاتف الذكي بكرة وأصيلا صار عند البعض من رموز الحضارة، ولن أبالغ إن قلت ربما سيأتي علينا حين من الدهر تصبح فيه مطالعة كتاب أو تصفح جريدة في إحدى الأماكن أو الجلوس مع العائلة بعيدا عن الهاتف أمرا شاذا وخروجا عن عرف الجماعة.
إن الحياة قصيرة، ينبغي استغلال كل لحظاتها. لقد خدعتنا التكنولوجيا وأوهمتنا أنها توطد العلاقات وتخدم التواصل السريع، لكن اللبيب هو من أدرك مدى حدة الخدعة وسم المقلب؛ لقد جفت وزيفت المشاعر فصارت عبارة عن ارتسامات ونسخ مكرر للمشاعر. لقد صار الإنسان عاجزا عن إبداع مشاعره هو، حتى الأعياد ما عدنا نذوق حلاوة التبريكات والتهاني كما كانت، لقد أصبحت فرحة يوم العيد تفقد حرارتها في الساعات الأولى منه بين تكرار للعبارات وإعادة إرسال للتهاني الجافة من حمولتها المعنوية حقا. ولكم يصيبك الحزن حينما لا تتكلف عناء السفر لتواسي قريبا في مصيبته أو خليلا في فقد أحبته فتكتفي بإرسال عبارة تعزية ربما أخطأت حتى في كتابتها لأنك لم تعرف معناها بعد.
ماذا عسانا القول أمام هذا العجب؟ لقد كان جمال اللقى يكمن في صدفته وفي طول الغياب فكانت المشاعر تتأجج بمجرد رؤية حبيب طال غيابه أو قريب قدرا وصدفة. ألا يحق لنا أن نرثي حال هذه المشاعر التي فقدناها في غفلة منا؟ ألا يجدر بنا أن نحتج أمام هذه التقنيات التي قطعت العلاقات البشرية أكثر مما ألفت فيما بينها؟ ما بوسعنا إلا أن نبكي على حال هذه الأجيال التي راحت ضحية عصر السرعة فأصبحت تتلذذ كل حين بإمضاء عقد العبودية المتجدد طوعا لا كرها، والمصادقة على بنوده المجحفة دون سعة نظر، تلك البنود التي تسربت إلى قلوب البشر فأنكست قوام البشرية وجعلت إنسانية الإنسان تنقض شيئا فشيئا.
1xbet casino siteleri bahis siteleri