سامح وانس!

إن ذاكرتنا البشرية ممتلئة ومزدحمة بالكم الهائل من الصور البشعة لحروب وجرائم ارتكبها الإنسان في حق الإنسان منذ بزوغه على هذه الأرض. لكن، مجرد تخطينا لتاريخنا المظلم والبغيض وتغيير نظرتنا نحو العالم هو في حد ذاته رسالة إنسانية نحو غد مشرق، عبر طرق عديدة من أهمها التسامح؛ فالتسامح في نظري نوع من المقاومة لبشاعة هذا العالم، لذلك، علينا فهم التسامح كما فهمته Hanna Arendt “كفعل منقذ للإنسان من نشاط أفعاله وأفق يفتح له باب للمستقبل، للتحرر من تبعات أفعاله ومن التخلص من ثقلها على كثفيه”.

التسامح يعني القدرة على العفو في لحظة من لحظات حياتك، وعدم رد الإساءة بالإساءة، والسمو بالنفس إلى مراتب أخلاقية عالية. قد يظهر التسامح كشعور بالضعف أحيانا، لكنه ليس كذلك، فالقدرة على الصفح أمر في غاية الصعوبة، خصوصا في تلك الأوقات التي يطغى فيها الغضب والبغض، لذلك امتلاكك لقلب يستطيع الصفح أمر في غاية الروعة بل هو في حد ذاته رسالة سلام؛ لأن الشر لا يمكننا إنكار وجوده فهو صادر من الإنسان ويسقط كذلك عليه، بالنهاية فهو مرتبط بالعالم الإنساني.

جنوب إفريقيا لم تخرج من دائرة العنف والحروب الأهلية إلا من خلال سياسة التسامح التي انتهجها نيلسون مانديلا وهذا يظهر في مقولته: ”الشجعان لا يخشون التسامح من أجل السلام” وبالفعل فالصمت عن الأفكار والمشاعر التي قد تؤدي إلى حلول سلمية هو الصمت عن رؤية الحياة والإصرار على البقاء عميان وضالين.

الصفح والتسامح وسيلة للحفاظ على ما لديك من إنسانية وصحة عقلية، وهو بمثابة خريطة ترسم لك مستقبلا واضحا غير مشوه لصناعة فن حقيقي والعثور على الحكمة. بلا أدنى شك، فالتسامح قد يعرضنا أحيانا للخطر لكنه يستحق العناء والتضحية من أجله فكما قال غاندي: “الضعيف لا يمكن أن يسامح فالتسامح من صفات الأقوياء.”

في المجال الطبي يحث وينصح الأطباء على العفو والصفح على الآخرين، لما له من إيجابيات وكطريقة للوقاية من بعض المشاكل الصحية المرتبطة بالأساس بالصحة العقلية والنفسية كالاكتئاب واختلال كهرباء الدماغ، كما أن له ارتباطا وثيقا بسلامة بالجهاز الهضمي والجهاز المناعي وصحة القلب. نجد التسامح مرتبطا أيضا مع الإبداع فمن الصعب أن يخرج من الإنسان فن راق وداخله مليء بالغضب والاستياء.

من هنا يتضح أن للتسامح إيجابيات عديدة تعود بالنفع على الإنسان في مختلف جوانب حياته، لهذا نجده أيضا في الجانب الديني. تتواجد الكثير من النصوص في الكتب المقدسة التي تحث على التسامح بقوة. ففي الدين الإسلامي مثلا يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 22]

في السنة النبوية أيضا الكثير من الأحاديث النبوية تحث عليه: “عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدْمَوْهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجْهِهِ ويقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ.)) ويقول: ((اللَّهمَّ اغفِر لِقَومي فإنَّهم لا يعلَمونَ)).

نجد كذلك الدعوة إلى التسامح والصفح في الديانة المسيحية في عدة نصوص نذكر مثلا: “ولا تدينوا فلا تدانوا. لا تقضوا على أحد فلا يقضي عليكم. اغفروا يغفر لكم ” إنجيل لوقا. كذلك في الديانة اليهودية نجدها حاضرة في التوراة: “لا تنتقم مما فعله الآخرون بك، ولا تذكر ابن شعبك بذلك، وأحب لغيرك كما تحب لنفسك “.

في النهاية الجنون هو أن تأمل بنتائج جديدة دون فعل أشياء جديدة، والشيء الجديد الذي بحاجتنا إليه الآن هو أن تسامح وتنسى.

1xbet casino siteleri bahis siteleri