شريان آسيا الوسطى: أوزبكستان الساحرة

367

مثل أميرة جميلة في واحدة من حكايات الرحالة العرب القدامى، تقف أوزبكستان كعروس في آسيا الوسطى على طريق الحرير التجاري. تُتحف ضيوفها والمارة بكنوز تاريخية ومعمارية وأدبية. تحكي تاريخ إمبراطوريات كانت لها أمجادا في الزمن الغابر على تلك البقعة من الأرض التي سحرت الفاتحين العرب وأدهشت الرحالة الجغرافي والأديب والشاعر ياقوت الحموي، وعشقها الرحالة ابن بطوطة، وأغوت الإسكندر المقدوني الذي احتلها وتزوج واحدة من أميراتها في عام 327 قبل الميلاد.

أوزبكستان، لؤلؤة آسيا الوسطى، كنت أظن أني سأقدر على التدوين حولها بعدما قرأت عنها كثيرا، وجدتني على النقيض، مكبلة بعجز غريب تحتبس معه المفردات في مدادي، أصبحت خجولة من نشر كل ما يرتبط بهذه البلاد التي ارتحلت معها بين طيّات الكتب ووثائقيات لا حصر لها، لكني مع ذلك أدفع نفسي اليوم دفعا للكتابة في سلسلة حول ثقافة البلد وجماله على أمل أن أزورها يوما ما.

تقع أوزبكستان بين نهري آمو داريا وسيرداريا وتمتد على طريق الحرير، تناحرت جيوش الأرض عليها منذ آلاف السنين. تحدها شمالا كازاخستان وبحر آرال وجنوبا طاجيكستان وأفغانستان وتركمانستان وشرقا قرغيزيا وطاجيكستان وغربا تركمانستان وكازاخستان.

أوزبكستان بلاد الإمام البخاري وعالم الجبر الخوارزمي والبيروني والنسائي والزمخشري والترمذي، وغيرهم من أعلام التراث الإسلامي، مهد الحضارات وثقافاتها منذ أكثر من ألفي سنة، تحتفظ بأجمل المعالم المعمارية الإسلامية وعند زيارتها تنقلك مدنها بخارى وسمرقند وكيفا إلى عصور مضت فتحس بأنك في طريق الحرير المعبد بالتاريخ.

تشع حقولها وبساتينها نضارة، تغذيها مياه نهرَي سير داريا من الشرق وآمور داريا من الغرب، لذلك أطلق عليها الفاتحون العرب «بلاد ما وراء النهر». تشتهر بحكايتها القادمة من عمق تاريخ الشرق القديم، في بخارى وسمرقند، ومدن أخرى. فيها الـ«بلوف»، الوجبة القومية الشهيرة عالمياً، وهي وصفة عمرها أكثر من ألفي عام.

تعالوا لنبدأ بسمرقند: قلعة الأرض

سمرقند

سمرقند: عاصمة البلاد ورابع مدن العهد السوفييتي، واحدة من أقدم المدن في العالم، مدينة ألهمت خيرة الأدباء وأثارت فضول الرحالة، فيها مآثر تاريخية تبدو كصفحات كتاب يحكي تاريخ البلاد كلها. تأسست في القرن الثامن قبل الميلاد. تقاطعت عندها الحضارات عبر التاريخ، نظراً إلى موقعها المهم بين الهند وبلاد فارس والصين، حيث كانت نقطة رئيسية على طريق الحرير العظيم. تتمتع المدينة بتاريخ طويل ومثير. سمرقند تعني «قلعة الأرض» مركز ولايات سوقديانا المعروفة في المراجع العربية باسم «بلاد الصغد»، احتلها الإسكندر المقدوني عام 329 قبل الميلاد. وعبر العصور تعاقب عليها الغزاة، ونشأت فيها أكثر من حضارة. في عهد الحكم الإسلامي ازدهرت سمرقند وشهدت تطوراً عمرانياً كبيراً، إلا أن الغزو المغولي للمدينة عام 1220 ميلادي، بقيادة جنكيز خان، دمَّرها ودمَّر كل تلك الآثار لتنهض سمرقند من جديد وتصبح أهم مرتقى لقوافل طريق الحرير التي كانت تربط الشرق بالغرب.

فيها مجمع زاهي زندا وفيها قبر قثم بن عباس بن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، ذكر بن بطوطة أن قثم بن العباس استشهد في معارك فتح سمرقند، وبعد أن أسلم سكان تلك الأرض أصبح لقبر قثم مكانة خاصة لديهم فصار كبار القوم وأفراد الأسر الحاكمة يبنون لأنفسهم مدافن بجواره ومن هؤلاء بعض أقارب الامير سيمور أو تيمور.

بعد سنوات اعتنق المغول الإسلام وبدأوا يشيّدون المساجد والقصور والكثير من المعالم العمرانية التي تُصنّف ضمن فن العمارة الإسلامية. لاحقاً اتخذ القائد الأوزبكي تيمور لنك من سمرقند عاصمة لملكه، وقام بنقل الصناع وأرباب الحرف إليها، ما ساعد في نهضتها فنياً وعمرانياً وثقافياً. ويعود إلى ذلك العهد عدد كبير من المعالم التاريخية الباقية حتى يومنا هذا. ذكرها الرحالة ابن بطوطة في مؤلفاته، وقال عنها: «من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً. مبنية على شاطئ وادٍ يُعرف بوادي القصارين، عليه النواعير تسقي البساتين. وعنده يجتمع أهل البلد بعد صلاة العصر للنزهة والتفرج. ولهم عليه مساطب ومجالس يقعدون عليها، ودكاكين تباع بها الفاكهة وسائر المأكولات. وكانت على شاطئه قصور عظيمة، وعمارة تنبئ عن علو همم أهلها».

اشتهرت «سمرقند» بكثرة القصور التي شيّدها «تيمورلنك»، أهمها ساحة ريجستان وسط المدينة أو «ساحة الرمل». وهي ساحة عامة كانت تُنفّذ فيها عمليات الإعدام، ويجتمع الناس فيها للاستماع إلى قرارات الحاكم. تحيط بها ثلاث مدارس بأسلوب معماري إسلامي، وبالقرب منها ضريح تيمور لنك. وتتميز كل واحدة من تلك المدارس بديكور خاص في داخلها، إلا أنها متشابهة في واجهاتها الخارجية، حيث البوابات المرتفعة على شكل أقواس مزخرفة، وعلى الجانبين مآذن ترتفع عالياً كأنها تعانق السماء، وأشكال زخرفية مصنوعة من الحجر والرخام وأنواع من الخشب، فضلاً عن زينة جميلة من مختلف الأحجار عند البوابات وعلى جدران تلك المدارس.

في سمرقند أيضاً مجموعة كبيرة من المساجد التي شُيدت في القرن الخامس عشر، أكثرها شهرة مسجد «بيبي خانوم»، شرق ساحة ريجستان، ويطلق عليه «جوهرة سمرقند» وهو أكبر مسجد في البلاد. وهناك مجموعة مميزة من القصور، أهمها قصر دلكشا أو (القصر الصيفي)، الذي يتميز بمدخله المرتفع المزدان بالآجرّ الأزرق والمُذَهّب، وقصر باغ بهشت أي (روضة الجنة)، الذي شيِّد كاملاً من الرخام الأبيض المجلوب من «تبريز» فوق ربوة عالية، وكان يحيط به خندق عميق ملئ بالماء، وعليه قناطر تصل بينه وبين المتنزه. وقصر باغ جناران (روضة الحور)، عُرف هذا القصر بهذا الاسم لأنه كانت تحوطه طرق جميلة يقوم شجر الحور على جوانبها، وكان ذا تخطيط متقاطع متعامد. وفي أطراف سمرقند يقف مرصد فلكي شيده أولوغبيك، حفيد تيمور لنك ووريثه في الحكم على تل كوخاك، وكان معروفاً عنه ولهه بعلم الفلك وفي عهده حصلت سمرقند على شهرة واسعة عالمياً في علوم الفلك.

بخارى… المدينة المتحف

لا تقل مدينة بخارى أهمية عن جارتها سمرقند من الناحية التاريخية، تقع على طريق الحرير التجاري، وتعد من أقدم المدن في آسيا الوسطى، يقال إن المدينة نشأت منذ القرن الرابع قبل الميلاد. بخارى، مدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، حالها حال سمرقند وخوارزم وعدد آخر من المدن الأوزبكية. ينتشر في هذه المدينة القديمة قدم التاريخ نحو 140 معلماً أثرياً، حصلت على لقب «المدينة المتحف»، ما يجعل الجولة فيها مثل جولة داخل متحف كبير. وتبدو ساحة ريجستان في بخارى بمثابة مركز ذلك المتحف، إذ يقع هناك مجمع «بيو – كاليان» المعماري التاريخي الرئيسي، ويضم ثلاثة مبانٍ تعود إلى القرنين الثاني عشر والسادس عشر، هي: مسجد «كاليان»، ومئذنة «كاليان»، ومدرسة ميري العربية. وتعد المئذنة من أقدم المعالم في الساحة، ويبلغ عمرها حول 9 قرون. بُنيت من الطوب عام 1127، وما زالت تحافظ على جمالها على الرغم من أنها لم تخضع لأي عمليات ترميم حتى الآن. وترتبط المئذنة عبر جسر بمسجد «كاليان» الذي شُيد عام 1514 وهو ثاني أكبر مسجد في أوزبكستان، بعد مسجد «بيبي خانوم» في سمرقند، ويتسع في آن واحد لأكثر من 12 ألف مصلٍّ. وتم تشييده وفق نمط العمارة في حكم سلالة تيمور لنك. مبنى مستطيل بأربع ساحات، مع بوابة فسيفسائية كبيرة، وقبب مغطاة برسومات فسيفسائية زرقاء وسماوية اللون. قبالة المسجد تقف مدرسة «ميري» العربية التي شُيّدت خلال عامي 1535 – 1536، ويقال إن رجل الدين الذي موّل بناء المدرسة اضطر إلى بيع 3 آلاف أسير فارسي ليوفر التمويل الضروري. وهي ثاني أكبر مدرسة في أوزبكستان، وتواصل عملها كمدرسة دينية حتى يومنا هذا.

وإلى جانب العدد الكبير من المدارس والقصور التي شُيدت في عهد حكم تيمور لنك وسلالته، هناك معالم تاريخية في بخارى تعود إلى مراحل قديمة من التاريخ، منها حصن آرك، الذي تشير الحفريات إلى أن أُسسه وُضعت في الفترة ما بين القرنين السادس والثالث قبل الميلاد. وهناك الكثير من الأساطير حول ذلك الحصن، واحدة منها تقول إن أميراً وقع في غرام فتاة جميلة شاهدها صدفة في السوق، إلا أن والدها حاكم إحدى الولايات اشترط عليه لتزويجها له أن يشيّد حصناً على جلدة ثور واحد. لم يستسلم الأمير لهذا الطلب التعجيزي، وقام باصطياد ثور كبير، قطع جلده على شكل حبال قام بمدها على الأرض، وشكّلت معاً الخطوط الهندسية الرئيسية لتصميم الحصن، ومن ثم بدأ بتشييد الحصن على تلك الحبال، وهكذا تمكن من الفوز بحبيبته.

عالم الحكاية الشرقية يتكرر في معظم المدن الأوزبكية، وكما هي الحال في سمرقند وبخارى، تنتشر الآثار في مدن أخرى مثل خوارزم وكوكاند وأنديجان وشهريسباز، وبالطبع في العاصمة طشقند التي تتقاطع عندها مختلف مراحل تاريخ نشأة أوزبكستان.

1xbet casino siteleri bahis siteleri