وداعا أكتوبر

هو شهر الجمال والحب، شهر الدفء والحنين، شهر تكثر فيه البدايات وترمم فيه النهايات. في هذا الشهر تتخلى الأشجار عن أوراقها لتكسو الأرض بحلة ذهبية كحبيب يتخلى عن ردائه من أجل حبيبته بيوم ماطر؛ فتتناغم الأرض بلونيها الأصفر والبني لتصبح كلوحة فنية، وحيثما وضعت قدميك تسمع خشخة الأوراق اليابسة، كسمفونية تعزفها أوركسترا الطبيعة. وتسقى الأرض بأول زخات المطر فتنبعت رائحة من التربة أزكى من رائحة العنبر.

في أكتوبر يكون الانتقال من حر الصيف إلى برودة الشتاء، ما يجعله يتميز بدفء ممزوج بلفحات الشتاء ورعشة حنينها، فتدب حينها حياة هادئة مكان حياة الصيف الصاخبة. هذا الشهر الجميل الذي يعتبره الجميع شهر الرومانسية والموسيقى الهادئة والقهوة الدافئة، تتباطأ فيه الإيقاعات وتصبح فيه البشرية ككتل لحم تتقاذفها الجاذبية. فيتحول الهدوء إلى كآبة قاتلة.

أصادف الناس في طرقي فتبدو لي كجثث هامدة، أمر إلى البقال فأجده هو الآخر يعاني ضجر الحياة، ألتقي الجارة التي تسكن في الطابق العلوي فأجدها ساخطة على عدد السلالم اللامتناهية. كل هذا يضاف إلى ذلك الإحساس الغريب حيث تصبح جسدا بروح متجمدة.

هذا الإحساس الذي لا نعرف مسبباته، أهو تقلب هرموني أم نقص في بعض الفيتامينات، أم أن له علاقة بقوى القمر على الأرض؟ حيث يقول العلماء أن قوة سحب القمر التي تؤثر على مد وجزر المحيطات يمكنها أن تؤثر كذلك على كيمياء الدماغ وبذلك يصبح أكثر عرضة لتقلبات المزاج.

مقالات مرتبطة

أدخل إلى البيت فأجد كآبة أكتوبر تجلس على الأريكة تنتظرني، ألقي عليها السلام فتجيب بعنفوان وكبرياء يثيران غضبي، أتحدث إلى نفسي علها تظنني مجنونة فتتركني. أخرج من الحمام، أغير ملابسي وأجدها لا زالت هنا وكأنها تنتظر مني أن أحضر إليها كوبا من القهوة. أغير المكان وأقف بشرفة غرفتي، أتقابل مع تيار الهواء، أجعله يداعب شعري لعل هذا يغير من مزاجي، حينها أتفاجأ أن تركيبة الهواء لا تقتصر على الأوكسجين والآزوت وأن كآبة أكتوبر أصبحت المكون الثالث. نعم إنها تتجول وتتطاير بأي مكان، أستنشقها بالهواء فتتسرب إلى جميع أعضاء جسمي، أحس باختناق بصدري وحزن بقلبي لا أجد تفسيرا له، يجعله كما قيل:

أضعف من ضعيف، متساقطا كأوراق الخريف.
القباني

وبعدها تسطير على عقلي، فتفقده القوة عن فعل أي شيء، فيصبح كتلة تطفو على سطح ماء عكر. فأصبح كإنسان مخمور لا يقوى عن الحركة كل ما يمكنني فعله هو التثاقل إلى سريري، ألقي عليه، أطيل النظر إلى السقف وأغرق في أفكار وتأملات تتضارب بين أطياف الماضي، أحداث الحاضر وتوقعات المستقبل، إلى أن أغمض عيني فأنام، في هذه الفترة يصبح النوم المهرب والملجأ الوحيد من كل هذا، لعل أرض الأحلام تكون أفضل.

أنام وأنا كلي أمل أن ترحل هذه الكآبة صباح يوم جديد. أستيقظ فتخبرني بصوت خافت أنها لا تزال هنا إلى نهاية أكتوبر. أبتسم وأقول لها وداعاً أيتها الكآبة، وداعاً أكتوبر، وداعاً سأنام إلى أن تنتهي.

1xbet casino siteleri bahis siteleri