في لحظة العجز ينعدم التفكير

يعيش الإنسان في حيرة دائمة بين ما هو عليه وما يرغب في تحقيقه، لكن يأتي حين من الدهر يصاب فيه بالعجز، بالإحباط، وربما بالاستسلام لما لم يكن في مخططاته سابقا ولا يملك القدرة على مواجهة إحدى أهم محطات حياته. قد يكون هذا العجز ناتجا عن أسباب مختلفة وعدة، نذكر على سبيل المثال عجز الإنسان أمام اتخاذ قرار حاسم لتغيير أسلوب حياته، أو عجزه أمام الإعلان عن مرض مزمن أصابه أو عاهة مستديمة أدت به إلى فقد منفعة أحد أعضائه، أو ربما عجزه فقط أمام تخبطات الحياة الروتينية المملة التي تعيق استمرار حياته.

لا أتكلم عن العجز الطويل الأمد الذي قد يؤدي بصاحبه إلى الرغبة في التوقف عن العيش، بل أتحدث عن ذاك العجز اللحظي الذي يصفع صاحبه حين تصفعه المصائب والابتلائات وتغيب فيه مفاتيح القفل الضائع؛ تغيب قدرة الإنسان على التفكير لحظتها، وغياب هذه القدرة لا يفسر إلا بعمق العجز الذي بلغه في تلك الأثناء. وأما من يتغلغل عمقه فشلا ويسقط عاجزا أمام عجزه، يغطي الوهم عقله ويوهم نفسه أنه قادرا على التفكير عند لحظة عجزه. لكن حقيقة هو على عكس ذلك؛ لا قدرة يملك في تلك الأثناء ليستوعب درجة فشله ودرجة عدم استجابة عقله لهذا الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، فنحن كبشر، كذوات واعية ومفكرة وتملك ما لا يملكه غيرها من الكائنات؛ تملك ملكة العقل باعتبارها ملكة فكرية وإرادية تميزنا بما تضمه من مجموعة قوى إدراكية كالوعي، والمعرفة، والتفكير، والحبكة، واللغة والذاكرة أيضا. كل هذه القدرات أو جلها قد لا تستجيب وتتعطل خدمتها أمام لحظات العجز، أي قد ينعدم فيها تفكيرنا للأسف ونظل عالقين في هامش بداياتنا معتقدين أن فرامل قطار الحياة قد تعطلت في صحراء قاحلة ولا سبيل للنجاة. وبدورنا نحن كذوات واعية وحكيمة وعاقلة قد نحقق عكس الافتراض السابق، أي قد يولد تفكيرنا في أقوى عز لحظات عجزنا ونخرج بذلك سالمين معافين مما قد مسنا وحبس أنفاسنا.

وبإطلالة خفيفة على مفهوم العجز، فهو يشكل ذلك السلوك النموذجي الذي يحدث للمرء عندما يعاني من استثارات أو مخفزات مؤلمة ومتكررة ولا يستطيع تفاديها أو تجنبها. وبحدوث ذلك، فإننا غالبا ما نفشل في تعلم استجابة الهرب أو التجنب في مواقف جديدة يكون من المرجح فيها إمكانية الهروب أو التجنب.

وبهذا، ينعدم التفكير عند لحظة العجز حيث نجد أنفسنا كأشخاص عاجزين لأسباب مجهولة، لا رغبة لنا و لا حاجة لنا في القيام بأي فعل، نكتفي بالملاحظة والاستسلام خلف زاوية عجزنا لا راغبين في النهوض. ومهما حاولنا جاهدين أن نشارك مانتخبط وراءه نكتفي في الأخير بالتزام الصمت داخل موجة عجز أفكار وموت أخرى. وربما ينتابنا شعور الوحشة والاشتياق للنفس ومخالطتها، فنجعل منها أحد المستمعين ونخوض معها ذلك الحديث تحت ما يسمى بالحوار الداخلي، لكن دون جدوى.

وإن كنا من أولئك الذين لم ينعدم لديهم التفكير، نكون قد جربنا ما يطلق عليه بالتفكير الوهمي لا لسبب معين، بكل بساطة لنريح ذلك العجز ولنخفف لوم النفس، وهذا نابع من فطرة حب النفس والاهتمام بها.
وربما حين يوهم البعض منا نفسه أنه يفكر في حلول عند إحساسه بالفشل ومعايشته في تلك الأثناء للحظة العجز، يكون على يقين تام أنه يحمي نفسه ويحمي صحته لأنه لا يرغب في أن ينتهي به المطاف هالكا نفسيا وجسديا، ومن تم يواكبه التفكير لا راغبا فيه بل مضطرا للغوص في ثناياه.

فالوهم ما هو إلا المجال الحر الذي لا ينتمي بتاتا إلى الحقيقة وغير المنطقي، فعندما نوهم أنفسنا أننا نفكر في حلول لعجزنا، فهذا لا يملك من الصحة ذرة دون تطبيقه. لكن حين يولد التفكير أثناء لحظة العجز، يكون الإنسان قد قام بنشاط عقلي استنبط به أفكارا ولدت له ما يسمى بالتفكير.

1xbet casino siteleri bahis siteleri