بالمَاضي قَد نَسمُو…

نتيمن خيرا بكل ما مضى، إنه محفز مثالي حقا ذلك الذي مضى ولن يعود، استخلصنا منه العديد من الدروس وانزجرنا عن العديد من سيئة الأمور بفضل الزاد الذي تسلحنا به من خلال ما مضى، صار صعبا أن يقضى علينا بفعل الشحنات التي ربتها تجارب راكمناها، تجارب لا زالت مرصعة كالجواهر بقلوبنا، بل هي جواهر ثمينة حقا! فقد جعلتنا نملك زمام أنفسنا وحيواتنا وكأننا ملوك فعليون لها!

إننا نملك عصارة من خيرة القيم والعبر كانت قد استخرجت من أحداث فارطة ربت في قلوبنا قساوة تجاه من كبدونا الخسارة، أحداث أرجعت قلوبنا قاسية كالحجارة أو أشد قسوة، لكن في الوقت عينه ربت فينا قوة وتأهبا وحماسا رائعا.

تلك الأيام الخوالي، تركت لنا الفرصة للنجاة ومدت لنا قاموسا يلخص الحياة ويتطرق لها من أشد أكثر تفاصيلها دقة، يكاد القاموس ألا ينسى شيئا إلا وذكره بكل مقاييسه ومعاييره، لم تشأ الإستراتيجيات سوى أن تخط على قاموس الأيام الماضية هذا، هناك خطط تبرز جليا ما كان يضعفنا وتفرز أسبابا شكلت عنصرا بارزا في أن نتكبد عناء الهزيمة، كم كان صعبا الشعور بالهزيمة! وكم كان قاسيا الإحساس بالضعف! لكن القوة لا تأخذ غصبا ولا تسرق بل تربيها الشدائد والصعوبات، لذا، فالهزيمة والضعف لم يشئا سوى أن علما الإصرار والتحدي بالتتابع، أن تكون صلبا أو لينا فستلقى المصير نفسه ولو أبيت ذلك، إنك في الأخير ستكسر أو ستعصر؛ ولهذا يقال: “لا تكن لينا فتعصر ولا تكن قاسيا فتكسر”.

علمتني الحياة أن أستكين إلى طيلة دقائق المبارزة وأن أكتفي بمعرفتي حق معرفة، أن أعرف عن كثب مهاراتي المثالية والتي لا تحتاج سوى أن أبدأ رحلة استخدامها، وأن أكتشف أيضا موادي الخامة وأصقلها بحرفية بالغة، ثم أن أكون متفانيا في سد كل فسحات الضعف؛ أي أن أهب مزيدا من الوقت والمجهود بغرض محي مناطق الهون لدي.

مقالات مرتبطة

الدهشة الزائلة

حكايا الطريق

أن تسعى إلى المثالية شيء جريء ونبيل حقا، ورغم غياب الأخيرة عنا، إلا أن الإيمان راسخ بأن طريقها شامخ ومليء بأنفع وأروع الأشياء، لنا كل فرصة في حصد أجمل المتمنيات وجعل أعقد الأمور سهلة، لنا كامل الأمل في جعل أصعب الأمور تحقيقا على بساط الحقيقة المطلقة الملموسة، لنا وقفات لتأمل ما مضى واستراق نظرات مفعمة بالسرور والبهجة من الآتي، جميل حقا هو الآتي.

ما العيب في أن ترى نفسك أفضل من النسخة الحالية لها؟ إنه أحد أشد الأحاسيس جمالا، حيث لست تنفي وجود ذاتك الآنية أو تحقرها لكنك تتمتع وتنظر بمجد للذات التي يمكنك أن تكون عليها فقط بالصبر والمجهود بل والتفاني أيضا، لك كل حق في الوثوق بنفسك إلا أن تكون ثقة زائدة في بعض الأوقات فذلك قد يكبد مسيرتك جزءا من الخسارة، لذا، فالوسطية والاعتدال أمران وجب توخيهما والعمل بهما حتى لا يضيع المرء في “مزبلة التاريخ” ويودي بمجده إلى “براثن الضياع”.

لك كل الحق في أن تعيش عالما فريدا مع ذاتك من صنعك ومن نسجك، لك أن تعيش فيه كما تريد وتنشئ علاقات متينة مع نفسك، بل وتضع له اللبنات الأساسية ناسجا بذلك علاقات التأثير والتأثر، لبنات مشدودة بأواصر قوية وبوشائج لا يحركها فعل الزمان ولا انفلات المكان، إنك تتمتع بكل الصلاحيات في أن تشيد كونك الخاص بعوالمك الخاصة المتفردة جدا، لك كل المسؤوليات فيه وكل شيء تحت قيادتك العليا، لك أن تحلم فيه وأن تحرك أحجار الشطرنج في رقعة أفكارك الذاتية، بل وحتى أن توطد علاقات مع تلك الأفكار والنوايا.

علمني الماضي أن الوقوف من جديد سمة الأقوياء التي تلمس في كنههم، والتي تطبع جبينهم وتميزهم عن غيرهم، الأقوياء فعلا هم من لا يصفعون مرة ثانية بعد الأولى وليسوا من لا يصفعون أبدا، الأباطرة هم من يكملون مسيرهم بعد أن استيقظوا أكثر انسيابية وتنظيما، هم من يبنون الخطط ويطبقون في الوقت ذاته، بل ويرون الأمور أكثر شموخا مما هي عليه، إنهم أولئك الذين يأكل “شغف المعرفة” عقولهم ويحرك “الفضول” نواياهم، أولئك الذين لا يرضون سوى بالغد وأفضل وباكتساب المزيد من الفرص والحظوظ، إنهم يصنعون الحظ إن صح التعبير! بل ولا ينسون جانبا من الجوانب الناقصة بشخصياتهم إن صح القول إلا وتطرقوا له دون أن يغفلوه.

علمني الماضي أن أصنع مني ذلك الرجل الذي أريده، علمني أن أحب نفسي ثم أن أقسم في إخلاصي لهذا الحب، بعدها علي أن أزيد في حبي لذاتي من خلال السمو بها والترفع بميزاتها، أن أحبها يعني أن أعمل جاهدا محاربا براثن الضعف بها، بل وأن أغلق فسحات الهون بعوالم ذاتي، أن أحبها يعني أن أزيد من شغفها للمعرفة وأن أسد كل هوات الجهل السحيقة بها، أن أدفعها نحو البحث والاجتهاد مؤسسا بذلك حبا عن يقين، بل ومحققا مبدأ الاستخلاف الذي نص عليه رب الأرض وبارؤها عزوجل.

1xbet casino siteleri bahis siteleri