زينب النفزاوية: لا يتزوجني إلا من يحكم المغرب كله!

350

تعتبر زينب النفزاوية من نساء البلاط المغربي القلائل اللواتي لا يمكن غض الطرف عنهن؛ نظرا للدور الكبير الذي قامت به في الحياة السياسية للدولة المرابطية، لأن حضورها القوي جعل كل من أرخ لهذه الدولة يجد صعوبة في عدم التطرق لبعض أدوارها بشكل أو بآخر.

تنحدر زينب النفزاوية من قبيلة نفزة الأمازيغية الواقعة حاليا في ولاية باجة التونسية، ويحتمل أن تكون قد ولدت في مدينة أغمات التي من المرجح أن والدها إسحاق الهواري أحد أكبر تجار القيروان، قد هاجر إليها بعد الكارثة التي حلت بمدينته إثر تعرضها لغارة البدو والأعراب من بني هلال. اختار إسحاق الهواري الإقامة في مدينة أغمات لأنها كانت تقع في مفترق الطرق التجارية، وكانت معبرا لتجارة القوافل.

نشأت زينب النفزاوية وترعرعت في أحضان والدها بأغمات، فكانت شابة جميلة جدا، لها محاسن وخصال محمودة، وكانت تتمتع بشخصية قوية، وبرجاحة العقل ومتانة الرأي والحكمة والذكاء. وقد تحدث المؤرخون عنها بكثير من التنويه والإعجاب، وأجمعوا على ذكر جمالها وذكائها وكفاءتها كامرأة لها رأي في السياسة، وصاحبة أمر ونهي… ذاع صيت زينب النفزاوية في مدينة أغمات وبين القبائل، الأمر الذي دفع رؤساء وأشياخ القبائل المجاورة لأغمات إلى الرغبة في الارتباط بها، لكنها رفضتهم جميعًا؛ لأنها كانت امرأة قوية طموحة وذات رأي وحزم، لذلك فهي لم ترض من الرجال إلا بذوي الهمم، ولم ترغب في الزواج إلا بمن “يحكم المغرب كله” وعلى الرغم من أن الناس كانوا يرمونها بالحمق، ويتهمونها بالسحر وبتسخير الجن لخدمتها، فإن المثير في حياة زينب النفزاوية فعلا هو زواجها المتكرر بزعماء وحكام، كان آخرهم يوسف بن تاشفين…

كان زواجها الأول، من يوسف بن علي بن عبد الرحمان بن وطاس شيخ أوريكة، تزوجها فيما بعد الأمير المغراوي لقوط بن يوسف عندما غزا أغمات وأصبح أميرا لها… لكن زواجهما لم يدم طويلا، إذ بعد وصول المرابطين إلى مدينة أغمات، اضطر لقوط إلى الفرار، قبل أن يلحق به المرابطون فيقتلوه، لتجد زينب النفزاوية نفسها مطلوبة للزواج مرة أخرى من الأمير المرابطي أبو بكر بن عمر اللمتوني، فانتقلت بذلك من أرملة لأمير مقتول إلى زوجة لأمير منتصر. وقد صانت بهذا الزواج كرامتها أولا ثم كرامة مدينة أغمات التي ستصبح عاصمة المرابطين إلى حين اتساع الدولة وبناء مدينة مراكش… كما أن هذا الزواج جنب أبو بكر اللمتوني حربا كانت محتملة مع سكان أغمات، ووفرت له من جهة ثانية مداخيل مهمة لدولته الفتية من منطقة عرفت بموقعها الإستراتيجي، وبنشاطها وحركتها التجارية.

تمكن الأمير أبو بكر اللمتوني من التعرف على المنطقة وأهلها، واستفاد في ذلك من خبرة زينب النفزاوية السياسية، خاصة وأنها شاركت في تدبير شؤون المنطقة لفترة من الزمن إلى جانب زوجها السابق الأمير لقوط بن يوسف المغراوي. وقد أدت زينب النفزاوية دورا كبيرا في تطور الأحداث اللاحقة، نظرا لما كانت تتميز به من ذكاء ومعرفة عميقة بخصائص المجتمع المغربي. فكانت بمثابة الزوجة والوزيرة والمستشارة، بجانب أبي بكر اللمتوني. لم يستمر زواجهما سوى بضعة أشهر اضطر بعدها أبو بكر اللمتوني للذهاب إلى الصحراء لإخماد الفتن التي اندلعت هناك… فطلق زوجته زينب وولى مكانه ابن عمه يوسف بن تاشفين. كان من الممكن لأبي بكر اللمتوني أن يحرر زينب من الارتباط به ويتركها لحال سبيلها، لكن ثقته بمناقبها الكثيرة وبخبرتها التدبيرية وحنكتها السياسية جعلته يرى بخبرته القيادية، أنها شخصية مهمة لدولة ناشئة، وضرورية لمن سيتحمل مسؤولية تمنيعها وتوسيع مجال نفوذها. لذلك فقد اقترح عليها الزواج بعد انتهاء عدتها من ابن عمه وعضده الأيمن يوسف بن تاشفين، كما نصح يوسف بالتقدم بطلب الزواج منها قائلا: تزوجها، فإنها امرأة مسعودة.

كان زواج يوسف ين تاشفين من زينب النفزاوية في شعبان 463هـ… “فسرت به وسر بها” كما جاء في المصادر التاريخية. برز نجم زهرة أغمات بشكل واضح عندما خاضت غمار المشاركة السياسية على عهد المرابطين وبشكل واضح في عهد يوسف بن تاشفين، ذلك أن تجربتها السياسية من زيجاتها السابقة ستغني رصيدها المعرفي فيما يتعلق بالسياسة ومختلف خباياها. وهي التجربة التي سيستفيد منها السلطان الأكثر شهرة في دولة المرابطين، يوسف بن تاشفين.

ساندت زينب النفزاوية يوسف بن تاشفين في أمور حكمه، وشجعته على جمع القبائل، خاصة أنها كانت ملمة بطبيعة القبائل المغربية، وبنقط ضعفها وقوتها، كما وضعت ثروتها بين يديه وشجعته على الفتوحات، فأعاد تنظيم الجيش وأقام إدارة ناجحة، وواصل ما بدأه أبو بكر اللمتوني في تشييد مدينة مراكش، فتكمن من الإمساك بمقاليد حكم الدولة الناشئة، وتثبيت أركانها. غير أن أهم عمل سياسي قامت به زينب النفزاوية كان هو تدبيرها لانقلاب أبيض ضد أبي بكر اللمتوني، سعت من خلاله إلى تأمين الملك لزوجها يوسف بن تاشفين حتى لا يبقى مجرد نائب لابن عمه أبو بكر أثناء غيابه في الصحراء، بل يصبح لوحده على هرم السلطة.

تحكي المصادر التاريخية أنه عندما وصل ليوسف بن تاشفين أن ابن عمه الأمير أبي بكر بن عمر قد أخذ في الرجوع من الصحراء إلى بلاد المغرب، حزن لذلك حزنا شديدا، وصعب عليه مفارقة الملك، فعرفت زينب بذلك فقالت له: “أراك مهموما مكروبا من وصول ابن عمك إلى ملكه الذي ولاك عليه، والله لا ذاق أبو بكر طعمها أبدا فطب نفسا، وقر عينا”. فقال لها: لقد استخلفني على ملكه، واختارني من بين كل بنيه لثقته بي، ولو كان غير ابن عمي لقاتلته. فقالت أنا أدلك… فقال لها: ما ذلك يا زينب، فإني والله أعرفك امرأة ميمونة. فقالت له: إذا قدم عليك أبو بكر، وبعث مقدمات رجاله إليك فلا تخرج إليه ولكن بادره بهدية جليلة… فلا يقاتلك على الدنيا، فإن الرجل خير لا يستحل سفك الدماء، فإذا لقيته فاترك ما كان يعهده منك من الأدب والتواضع معه، وأظهر له غلظة حتى كأنك مساو له ومقاومه، ثم لاطفه مع ذلك بالهدايا… لقد كانت زينب على معرفة كافية بنفسية وأخلاق كلا الرجلين، فكانت تعلم أن يوسف بن تاشفين لن يجرأ على مواجهة أبي بكر الذي ترك البلاد أمانة بين يديه، كما كانت تعرف أن أبا بكر رجل تقي ورع لن ينهج سبيل سفك الدماء مع ابن عمه.

في الخامس من شهر ربيع الأول لسنة 465هـ، وصل أبو بكر بن عمر اللمتوني بجيشه من الصحراء إلى أغمات، عازما على المضي نحو مراكش، وقد تفاجأ بالدولة القوية التي أسسها يوسف بن تاشفين، وعلم بميله إلى نخوة الملك وعز السلطان، فعلم أنه مغلوب، وانقطع رجاؤه من الملك، فعزم على تسليم الأمر له. وفي منتصف الطريق بين أغمات ومراكش، التقى الأمير أبو بكر بيوسف بن تاشفين، وتنازل له عن الحكم قائلا: يا يوسف أنت ابن عمي ومحل أخي ولم أر من يقوم بأمر المغرب غيرك، ولا أحق به منك، وأنا لا غنى لي عن معاونة إخواننا بالصحراء، فاستمر على تدبير ملكك وأنت حقيق به وخليق له، وما وصلت إليك إلا لأسلم لك الأمر وأهادنك في بلادك، وأعود إلى الصحراء مقر إخواننا ومحل سلطاننا. ثم عاد الأمير أبو بكر إلى أغمات موضع نزوله، ومنها إلى الصحراء، وعاد يوسف بن تاشفين إلى مراكش دار مملكته.

وإذا كانت زينب النفزاوية قد تمكنت بخطتها وتدبيرها من تأمين الملك لزوجها، فقد جنبت بخطتها الدولة المرابطية الناشئة مغبة الصراع على السلطة. ولعل هذا وغيره هو ماكان يجعل يوسف بن تاشفين دائم الحديث عن فضلها أمام الملأ، إذ كان يقول دومًا: “إنما فتح الله البلاد برأيها.”

1xbet casino siteleri bahis siteleri