أو كلما اشتهيت اشتريت؟

عيون لاهثة، تتسابق لمداعبة السيل العرمرم من المنتجات المستلقية بغنج ودلال في واجهات المحلات؛ تتسارع حركتها في رقصة مجنونة، ذهابا وإيابا، صعودا ونزولا على سلم الاشتهاء. فجأة، تُقطع نياط القلب سهام مدببة من منتج براق، تصَــدر، عن جدارة، السباق التسويقي المحموم…تتحسس عندها الأصابع المرتعشة الجيوب وحقائب اليد لعلها تجود بوريقات نقدية، أو بالأحرى بصكوك غفران تُقدم لإله الاستهلاك المبجل، لعله يربت بحنو على القلوب المكلومة وينثر شذرات السعادة على حيوات رمادية سماؤها. هكذا صار حالنا اليوم، في عصر الرأسمالية الشرس هذا وصدق مصطفى محمود، رحمه الله، حين قال: “وقد نجد من يصلي منهم إلى القبلة خمس مرات في اليوم، ولكن حقيقة قبلته هي فاترينة البضائع الاستهلاكية.”

فعلا، فلسان حالنا أصبح يلهج بشعار “أنا أستهلك، إذا أنا موجود”؛ ولا مناص من ذلك، حيث إن الإعلانات الإشهارية تطوقنا بخطبها الرنانة مُوسوسة لنا بصوتها الحاني أن رحلة السعادة البشرية لا تجوز إلا على متن سيارة فيراري. كما ويؤكد مؤثرو الإنستغرام أن الصور لا تحلو إلا عند التقاطها بواسطة آخر عنقود من سلالة الآيفون، أما الماركات العالمية فتُقسم، على ألسنة المشاهير ولاعبي كرة القدم، أن وظيفة الملابس الأساسية لا تنحصر فقط في ستر العورة بل هي مرآة تعكس المستوى الاجتماعي وتخول لمُرتديها حق التذاكي وإفراغ ما في الجعبة من كلمات فرنسية وإنجليزية منمقة.

لو علمت عزيزي القارئ، كمّ المبالغ التي تُصرف سنويا من قبل الشركات الكبرى، قصد استثارة حواسك ودفعك لاقتناء أشياء لا تحتاجها لإرضاء أناس لا تحتاجهم لفغر فاك عجبا. ولا أدعوك هنا، إطلاقا، لتبني نظرية المؤامرة، فبحكم دراستي السابقة في ميداني التجارة والتسويق أُرجح “نظرية الربح”، فالشغل الشاغل لرجال الأعمال هو إضافة أصفار جديدة على يمين حساباتهم البنكية المكتنزة.

وبما أن الغاية تبرر الوسيلة، بحسب النظرية الميكافيلية، فجميع السبل تصلح لبلورة أفكارك وأذواقك وملاذاتك النفسية وقولبتها حسب حاجيات السوق، وفي غالب الأحيان تنجح هذه المناورات التجارية المحبوكة، فأنت تدق طبول سعادتك بوجبة دسمة مرفقة بثياب جديدة، تشكو آهاتك لهاتفك الذكي الذي يلتقط لك سيلفيات تنضح بالابتسامات المغتصبة، ثم تؤكد أحقية انتمائك لدائرة أصدقائك من خلال شرائك-بالتقسيط طبعا- لسيارة هوليوودية فارهة.

في خضم هذا التهافت نحو الاستهلاك غير المعقلن والتكديس، تعالت هتافات تنادي بالتجديف ضد التيار وتبني نظام حياة يعتمد على البساطة وتقليل المقتنيات المادية، وهو ما يتعارف عليه بفن الحياة البسيطة أو التقليلية minimalism، ولعلك صادفت فيما قبل عبارة  “less is more”وترجمتها الحرفية هي “الأقل هو الأكثر” أو القليل أفضل من الكثير.

وإذا عم الرخاء فلا تستهلكه كله!
-كونفشيوس-

مقالات مرتبطة

لمفهوم التقليلية تمظهرات عدة، ففي المجال الفني تبلور كحركة فنية ومعمارية ظهرت في خمسينيات القرن العشرين بالولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث كانت تعتمد على التجريد وتوظيف العناصر البسيطة والأساسية دون بهرجة. أما من حيث تطبيقه العملي كنظام حياة، فقد دأب البوذيون منذ آلاف السنين، وفقا لتعاليم “الزن” Zen، على الاكتفاء بالأشياء الضرورية لحياتهم اليومية وتشذيب كل فائض يشذ عن الأصل. وفي هذا الصدد، ألف شونميو ماسونو، الكاهن الأكبر في معبد زِن ياباني، كتابا خفيف الظل عميق المعاني، بعنوان “فن الحياة البسيطة”، ذكر فيه “في البوذية نقول “تشيسوكو” أي “تحلَّ بالرضا”.. الاشتهاء البشري ليس له نهاية، فور أن نتحصل على شيء، نشتهي عشرة منه، وعندما نتحصل على عشرة نشتهي مائة. انظر إلى ما تتمناه أو تشتهيه ثم اسأل نفسك: “هل أحتاج حقا إلى هذا الشيء؟”.

وقد استوحت الحركة الاجتماعية المناصرة لنمط تبسيط الحياة هذه المبادئ الداعية للتنصل من الزخارف والاكتفاء بالجوهر، وذلك للخروج من ربقة الاستهلاك والإسراف. وأنبه هنا إلى أن التقليل ليس بالضرورة مرادفا للتقشف، بل المعتنق لفلسفة الحياة هذه يصبو لامتلاك الأشياء بوعي، لا أن تمتلكه وتستعبده الأشياء، أو كما تعبر عنه “ماري كوندو” المرجع العالمي في مجال الترتيب: احتفظ بالأشياء التي تشعرك بالسعادة spark joy”.

تقترح علينا “دومينيك لورو” من خلال كتابها “فن البساطة” مفهوما شموليا ومفصلا لنمط الحياة التقليلي، يضم في بنيانه اللبنات التالية:

  1. ترتيب المنزل وتخليصه من المقتنيات المكدسة والاكتفاء بالممتلكات الضرورية.
  2. تحرير الروح من القيود الدنيوية عن طريق التنفس العميق والتأمل.
  3. احترام الجسد والدال على ذاك تقديم غذاء صحي بدون إفراط مع المواظبة على الرياضة.
  4. تنقية لائحة معارفك من العلاقات السامة، ولعمري هذه خطوة رئيسية -رغم أنها لا تبدو بديهية للوهلة الأولى- في طريقك نحو التحرر من قيود الاستهلاك؛ اسألوا النساء فقط عن عدد ألواح الشوكولاتة التي التهمنها والأحذية التي راكمنها من جراء السموم التي نفثتها علاقات وصداقات في حياتهن.

وأخيرا وليس آخرا، أذكرك عزيزي القارئ، أن ديننا الحنيف يدعونا صراحة للاكتفاء بما يسد رمقنا للعيش بهناء، وإلى حسن استغلال ما في اليد، حيث قال رسولنا الكريم ﷺ: “ما من يومٍ طلعتْ شمسُه إلَّا وبجنبَيْها ملَكان يُناديان نداءً يسمعُه خلقُ اللهِ كلُّهم غيرَ الثَّقلَيْن يا أيُّها النَّاسُ هلمُّوا إلى ربِّكم إنَّ ما قلَّ وكفَى خيرٌ ممَّا كثُر وألهَى ولا آبتِ الشَّمسُ إلَّا وكان بجنبَيْها ملَكان يُناديان نداءً يسمعُه خلقُ اللهِ كلُّهم غيرَ الثَّقلَيْن اللَّهمَّ أعطِ منفِقًا خَلفًا وأعطِ ممسكًا تَلفًا وأنزل اللهُ في ذلك قرآنًا في قولِ الملًكين يا أيُّها النَّاسُ هلمُّوا إلى ربِّكم في سورةِ يونسَ {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وأنزل في قولِهما اللَّهمَّ أعطِ منفِقًا خَلفًا وأعطِ مُمسِكًا تَلفًا { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) } إلى قولِه { لِلْعُسْرَى]

والشاهد هنا قوله ﷺ: “إنَّ ما قلَّ وكفَى خيرٌ ممَّا كثُر وألهَى” وهي دعوة من خير البرية لتفضيل القلة الكافية على الكثرة الملهية، بل ويتجاوز ذلك، فالحديث يحض المؤمنين على الإنفاق والصدقة دون خشية من إملاق، وهذا المنظور يورث شجاعة وقناعة وتوكلا على الله. كلما وسوس لك شيطانك الاستهلاكي باقتناء غرض جديد، تريث واسأل نفسك ما سأله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “أو كلما اشتهيت اشتريت يا جابر؟”.

1xbet casino siteleri bahis siteleri