السعي نحو السعادة

255

تلسعك قرصة جوع أو ملل فتسارع الخطى، بشكل أوتوماتيكي، صوب الثلاجة المتخمة بما لذ وطاب من صنوف الأكل، لعلك تسد رمق جوعك الفيزيولوجي أو النفسي. بضغطة زر، تزف إليك آخر أخبار العالم، بينما أنت تمط ذراعيك بتثاؤب، وجسدك غارق في كنبتك الوثيرة. تطفئ بعدها التلفاز الذي لم تفلح قنواته اللانهائية في إرضاء رغباتك النزقة، ثم تمرر أصابعك المتمرسة على هاتفك فينقلك، في لمح البصر، لرحلة تخطف الأنفاس بين ربوع عوالم التواصل الاجتماعي، حيث تلتقي وتتحاور، افتراضيا، مع القريب والبعيد.

عندما نعاين مستويات الرفاهية والوفرة التي غدا يرفل فيها شريحة لا يستهان بها من بني البشر -والتي كانت ضربا من ضروب الخيال العلمي في زمن ليس بالبعيد- لا يسعنا إلا أن نتساءل عن سبب سقوط الإنسان في مستنقع التوتر المزمن والقلق والاكتئاب، وما ينتج عنه من أمراض عضوية ونفسية قد تفضي لنتائج كارثية كالانتحار.

استنادا لإحصائيات منظمة الصحة العالمية لسنة 2019، تم تسجيل 700 ألف حالة انتحار على الصعيد العالمي. كما أكدت المنظمة أن عدد الأشخاص، الذين يموتون سنويا بسبب الانتحار، يفوق عدد الذين يلاقون حتفهم بسبب الإيدز أو الملاريا أو سرطان الثدي، أو بسبب الحرب وجرائم القتل. هذه الأرقام المخيفة تحتم علينا إطلاق صافرة الإنذار فيما يتعلق بتفشي ظاهرة القلق والتوتر المزمن بين الأفراد.

إن المتأمل في مجتمعاتنا، التي صارت تتحكم فيها آلة المادية المتوحشة، يدرك أن الإنسان أصبح كحيوان “الهامستر”: فهو يركض بلا هوادة داخل عجلة صغيرة، مسجونا في قفص الاستهلاك، بينما عنقه مشرئب نحو رغبة حيازة ممتلكات أكثر، منصب أعلى، منزل أكبر وسيارة أسرع… معايير محددة للنجاح تلك التي يجب أن ينسكب فيها الفرد، وإذا لم يفلح المسكين في ذلك، فسوف يطرد شر طردة خارج بوتقة القبول الاجتماعي. فالسعادة، في الأعراف السائدة، تكمن بالضرورة في مراكمة السلع المادية وامتلاك شارات السلطة وبريق الشهرة. وبالتالي، فالقناعة والاكتفاء بدرجة الرفاهية المكتسبة تعد من المثبطات عن التقدم في هذا السباق المحموم نحو الأفضلية، مما يدخل المرء في متاهة لا أول لها ولا آخر من الجشع والقلق والتوتر.

يحاول الكاتب والفيلسوف “آلان دو بوتون”، عبر كتابه الشيق والدسم، “قلق السعي إلى المكانة”، معالجة مسألة القلق التي تنهشنا في خضم الحياة العصرية؛ حيث يعزو ذلك لعدة أسباب، منها أن بحثنا عن مكانة اجتماعية أفضل يضمر في الحقيقة تعطشنا الفطري لكسب الحب والتقبل من طرف المحيطين بنا. فكما يقول الكاتب: “الدافع المهيمن وراء رغبتنا في الارتقاء على درجات السلم الاجتماعي قد لا يكون مرتبطا بما نراكمه من سلع مادية أو ما نحوزه من سلطة، بقدر ما يرتبط بمقدار الحب الذي نتطلع لأن نتلقاه نتيجة للمكانة العالية”.

هذا الطرح يؤكده آدم سميث في كتاب “نظرية المشاعر الأخلاقية” قائلا: “ما غاية كل كدح وسعي في هذا العالم؟ ما هدف الجشع والطموح وطلب الثروة والسلطة والتفوق؟ أهو توفير ضرورات الطبيعة؟ إن أجر أهون عامل يدوي يمكنه أن يفي بهذا الغرض. ماذا قد تكون إذن مزايا ذلك المقصد العظيم للحياة الإنسانية والذي نسميه تحسين ظروفنا؟ أن نكون تحت أنظار الآخرين وموضع عنايتهم، أن نلاحظ بعين التعاطف والرضا والاستحسان”. فيتضح هنا أن القلق الذي ينتابنا أثناء بحثنا الدائم عن تحسين مستوى معيشتنا، هو في الحقيقة نابع من خوفنا من رفض المجتمع لنا واقتناعنا بأن الأغنياء وذوي الحظوة الاجتماعية محبوبون حتما من طرف الجميع.

وفقا للكاتب” آلان دو بوتون”، تعد “استمرارية التطلع” من بين الأسباب التي تؤجج نار القلق والرغبة في تحسين المكانة الاجتماعية؛ حيث إن وتيرة التقدم المتسارعة أصبحت تبخس ما في حوزة الإنسان، وتجعله يتطلع ويمني النفس بامتلاك آخر إصدارات الهواتف والحواسيب وآخر ما تمخض عنه رحم الموضة، مثلا. ومن المعلوم ما يرافق هذا الجشع من أحاسيس نقص وحسد إزاء من يتوفرون على الإمكانيات المادية، التي تخول لهم مجاراة هذه التطورات السرمدية، خصوصا أولئك الذين يستلذون بعرض عضلاتهم الاستهلاكية على منصات التواصل الاجتماعي.

مما يفاقم كذلك حجم الضغط على الفرد، هو الترسيخ المتزايد لفكرة “الإنسان الخارق”، وذاك عن طريق كتب التنمية الذاتية، التي تخلخل القارئ من كتفيه وتصرخ في وجهه: “أنت تمتلك كل المقومات للنجاح والتفوق، على غرار “أنتوني روبنز” الذي تمكن من إيقاظ العملاق داخله وتطوير دخله من حد الكفاف، إلى أكثر من مليون دولار سنويا!” فالإنسان العادي، المتوسط القدرات لم يعد بالتالي مقبولا ولا فشله مفهوما، نظرا لأن أشخاصا “عاديين” آخرين استطاعوا التنصل من ربقة الفقر والهامشية.

استعرضنا هنا بعض الأسباب التي ذكرها الكاتب والتي تتكالب على الإنسان لزيادة حجم صخرة التوتر والقلق التي يرزح تحت ثقلها، خلال بحثه المستميت عن مكانة اجتماعية أفضل. الحل لا يكمن إطلاقا في قمع الطموح الفردي، فالرغبة في التفوق حق مشروع وتضمن، على نطاق أوسع، ازدهار المجتمعات وتطورها. إلا أن “الجوع” للمكانة الاجتماعية، ككل شهية أخرى، يجب كبحها، حيث إن الإفراط فيها يمكن أن يكون ضارا بل..قاتلا.

في الختام، لن نجد نصيحة أبلغ من التي قدمها لنا من أوتي جوامع الكلم، لإنارة دربنا بنبراس الوسطية ووضوح الوجهة، قال ﷺ: “من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة” رواه الترمذي، عن أنس بن مالك.

1xbet casino siteleri bahis siteleri