ساعة…بعد ساعة الصفر

390

سندريلا العزيزة، تذكري أنه يتوجب عليك مغادرة الحفل الراقص قبل تمام منتصف الليل، إذا تجاوزت، ولو بثانية واحدة، دقات الساعة الإثنى عشر فسيُمسخ بريق فستانك، ومجوهراتك وعربتك، ثم يكتشف الأمير والحضور حقيقتك المضمّخة بالرماد، ويعم الذعر والتقزز جراء أصدقائك الفئران.”

لطالما هدهدتنا قصة سندريلا وأثارت مخيلتنا الطفولية الجامحة، نحبس أنفاسنا، تتسارع دقات قلوبنا على إيقاع الساعة الحائطية، تِكْ، تاك، تِكْ، تاك، “أوف”، نتنفس الصعداء، فها هي السندريلا تتمكن من التسلل مخلفة وراءها حذاءها الزجاجي الفريد. لكن، ماذا لو تناست بطلتنا الخيالية صوت الساعة المُلِحّ ومكثت لغاية الواحدة صباحا، أي خراب كان سيحل على رأس المسكينة؟

من منظور أكثر جدية وواقعية، طرح الكاتب “قسطنطين جورجيو” هذا التساؤل “ماذا يحدث بعد الساعة الصفر؟” عند حلول الساعة الخامسة والعشرين، الساعة ما بعد الساعة الأخيرة، عند سقوط صرح الإنسانية واعتلاء الآلة والمشاعر الجليدية لعرش العالم. ساعة يغدو الإنسان عبدا لعبده التقني الذي صنعه بيديه، ساعة تضمحل المشاعر النبيلة وتظهر مخلوقات هجينة، ُولدت من اتحاد الرجل مع الآلة، فجمعت في جوفها قساوة وضراوة فاقت أشرس الحيوانات المتوحشة. إنه عصر “الحداثة السائلة” كما وصفه عالم الاجتماع “زيجمونت باومان” حيث تضمحل القيم والثوابت والأخلاق ويتضخم غول “المادية”.

برقصة قلمه الرشيقة ينقلنا الكاتب إلى فترة الحرب العالمية الثانية، فنعيش مع أبطال رواية “الساعة الخامسة والعشرون” أهوال الحروب والتهجير والتعذيب. تنفرج ستارة المسرح عن قصة حب متقدة، فُتشكك لوهلة في مصداقية مراجعات وتلخيصات الرواية التي طالعتها من قبل والتي تقطر بؤسا وألما، إلا أن وتيرة الأحداث تتسارع تباعا كدقات طبول المعابد، ونعيش مع “إيوهان موريتز” المزارع الروماني المسالم سقوطه الرهيب نحو الهاوية، نحو ألسنة الجحيم المتأججة، نتيجة حظه العاثر الذي شاء أن يكون اسمه “إيوهان” مشابها لأسماء اليهود الذين كانوا ُيقادون تباعا لمقصلة تعذيب النظام النازي. ثلاثة عشرة سنة من التنقل الإجباري بين عشرات السجون والمعسكرات الرومانية والألمانية والهنغارية والأمريكية، تعدد الجلادون وصنوف العذاب مما خلّف آثارا وندوبا بليغة على جوارح وروح “إيوهان” على حد سواء.

تتناهى إلينا حشرجة صرخاته الناجمة عن أسلاك التعذيب الحامية ونُحصي معه أسنانه المتساقطة إثر اللكمات العنيفة المتلاحقة، فيتراءى لنا كتجسيد لدور الضحية البريئة، كبش فداء البشرية أو مثلَ “سيزيف”، البطل الإغريقي الذي ينوء تحت ثقل صخرته التي تأبى إلا التدحرج نحو سفح جبل المعاناة. والأدهى من ذلك، نعيش معه تقهقر سقف توقعاته، وكلنا يدري أن أعز ممتلكات المرء هي حزمة أحلامه الوردية. حيث تقزمت أحلام الشاب العشريني الفتي الذي كان ُيَمنّي النفس بشراء أرض وبناء منزل ليعيش فيه مع حبيبته “سوزانا” وغدت الأحلام تتقولب بحسب المعسكر أو السجن الذي يقبع فيه: فتارة يحلم باليوم الذي تكتمل فيه القناة التي حفرها مع السجناء لعرقلة الزحف الروسي لينفش صدره أمام أطفاله مفتخرا بمشاركته في إتمامها بعرقه ودمه، وتارة يحلم بتلقي اللكمات “الرحيمة” بدل لهيب الأسياخ، وتارة أخرى تجره شطحات عقله المبلّد من عمله الآلي، لتخيل الأزرار التي تنتقل أمامه على تؤدة فوق الشريط الآلي، وهي توشح أزياء ضباط وبحارة مرموقين، أحلام ترتفع وتذوي كالمد والجزر، إلا أنه كان يتشبث دوما بحبل، ولو مهترئ، من الأمل ولعل ذلك ما جعله يصمد رغم فظاعة ما شهدته عيناه وجوارحه ككل، مقتديا بمقولة فيكتور إيميل فرانكل في كتابه الإنسان يبحث عن المعنى: “لکي تعيش عليك أن تعاني، ولكي تبقى عليك أن تجد معنى للمعاناة. وإذا كان هناك هدف في الحياة، فإنه يوجد بالتالي هدف في المعاناة وفي الموت.”

رغم فارق الزمان والمكان ونسج الخيال، فإن أحداث هذه الملحمة الأدبية تكتسي راهنية عجيبة وتشمل مختلف اللوحات البشرية والانتماءات والأذواق، عن طريق الشخصيات المحاكة ببراعة. ستتجسد أمامك عبثية الحروب وتجزم في قرارة نفسك أنها أكبر حماقة تمخضت عنها البشرية. جرافة الحرب الهوجاء لم يسلم منها أحد، لا القس المسيحي البشوش “كوروغا” ولا ابنه “تريان” الكاتب الفذ ذو النظرة الثاقبة والاستباقية. بطشت أيدي الفظاعة والظلم بأطفال يحتمون بأكناف أمهاتهن واستُبيحت أعراض العفيفات. اضطهاد الأقليات، النزاعات الدينية والعرقية، الشطط في استعمال السلطة، هي مواضيع تناولتها الرواية في حبكة سردية متقنة، تجعلك تسقط وقائعها لاإراديا على واقعنا المُعاش وعلى عناوين النشرات الإخبارية الكئيبة.

عزيزي القارئ، أحسبك الآن تصرُّ على أسنانك إذا ما سرح بك المخيال في الصور الذهنية المترعة بالآلام التي خططتها لك، ولعلك تتساءل ما فائدة هذا الكم من الرعب الهيتشكوكي المجاني؟ أنا أظن -والله أعلم- أن أجمل الروايات تخرج من رحم المعاناة، وكذلك الحياة، لن يبهر عينيك نور الصباح إلا بعد أن تتسربلا بُدجى الليل، لن تعرف ذاتك إلا إذا واجهتها بمرآة الحقيقة وفضحت أمامها فجورها قبل تقواها. وهذا ما تحثنا عليه الرواية، مُساءلة أنفسنا والعالم من حولنا: هل نحن على الطريق السوي أم جرفتنا سيول الحضارة الغربية المادية؟ هل أصبح الجو حولنا ملوثا دون أن ندري وسنختنق بسببه؟ هل ما زال فينا حِسّ الأرانب البيضاء (اقرأ الرواية لتعرف إن كنت من الأرانب البيضاء أم لا!)،

تِكْ، تاك، تِكْ، تاك، “سندريلا، حُثّي الخطى، ألا تسمعين دقات الساعة، .اركضي، اركضي، لم يبق متسع من الوقت…”

1xbet casino siteleri bahis siteleri