مصيرُ بنائِنا الانهيار!

295

“أليس من القاسي أن يأسر عصرٌ قالَبَ المرء وقلبَهُ معه؟ لأنني لن أتحمل تسليم قلبي لهكذا عصر كما اضطررت لفعله مع جسدي. لا أريد أن أُجبر على حبّه أو التمسّك بموازين السعادة فيه. وأجدُه مرعبا جدّا التّطلُّع إلى من يجذفون فيه عكس تيّار الطبيعة، رافعين أعلام الدعاية والتقدُّم. ألا ترون معي أنّنا خرّبنا هذا العصر، حتى صار الشقاء فيه أعنف من ذي قبل، لا يرحم لا صغيرا ولا كبيرا؟! ألا تحسّون أنه زمنٌ يغالب على نفسه في التطور والسرعة والتحرّر، ولكن بدل تحقيق ذلك، يكتفي بالصعود نحو الأسفل! هذا علما بما تحقق فيه من إعجازات تفوق تصورات أسلافنا، تجعلهم ينظرون إلينا بغبطة إذا اطّلعوا على أبسطها. فلِم إذاً أجد نفسي أغبطهم بدوري على ما عرفوه من بساطة؟ لماذا هذه الرّغبة الشديدة في الهروب؟ وهل يهرب عاقل من النظر إلى تفنُّن الأبراج في طعن السُّحُب، أو هل يُهرَب من يُسر الأسفار في شتى بقاع الأرض -والعاقبة لما في الفضاء من كواكب وأقمار- بل كيف يهاب امرؤ الروبوتات والطبّ الحديث والإلكترونيات والكاميرات التي تلاحق دقّة عيون البشر إلى آخره من الإنجازات المادية والمعنوية؟

أرجّح أن السبب خلف ذلك هو الضريبة التي دفعناها للحصول على كلّ هذا، لقد كانت غالية جدّاً علينا، لأنّ ما دفعناه من راحة وسعادة لنبلغ هذا التقدم، هو أصلا ما كنا نطمح إلى مضاعفته. لقد أجلسنا أنفسنا على طاولة قمار، الرّبح فيها والخسارة كلاهما قاتلان. فلا تستغربوا إذاً ارتفاع أسعار السرور وغياب عنصر السكينة والهدوء بداخلنا وخارجنا على حد سواء. لأنه وقبل الجلوس على طاولة قمار كهذه، يجب أن تكون مستعدّا لضخّ كميّة مهمة من هرمون الأنانية داخل وجدانك، ومهما كان الجالس “أنت” فالناهض من عليها “أنت” مختلف تماماً. وإلا فكيف نفسر ما صارت عليه الأوضاع؟ أنّ البسمة أصبحت اليوم مقابل معروف وأصبح الثّري فينا المسرور وصاحب المال غير مسرور، والقوي منا عاد لا يرحم والضُّعف بات أسلوب حياة.

ولا تُؤوّلوا هذا الكلام على أنني أنقم ما يوفّره التقدم من روائع، بل العكس، أنا كأي منكم أحبّ استخدام ورؤية المزيد. لكن ما أجادل فيه هو استغلالهم لذلك في التلاعب بنا والضغط علينا محاولين وضع أمتعةٍ موضع أحلامنا وأهدافنا. والذي لن أقبله شخصيا هو أن أكون إمّعة، أنساق خلف من يستحق ومن لا يستحق، وأن يستغبيني أحدهم لدرجة أن يعرض عليّ قطعة خردة مقابل قطعة من هويّتي. ولا داعي لذكر أمثلة وأحكام قطعية عمّا لا أعلم أكثر من ظاهره، تركتُ لكم واسع النّظر فيما قد تخفيه كواليس يوميّاتكم من شخصيّات وشركات وقوىً تشرب من مصبّ مصالح هذا الميكانيزم.

وإضافة لذلك، أعتقد بأنّ منحهم المادّةَ ترقيةً كهذه، لتصبح غايةً بعد أن كانت متاعا رخيصا، هو إعلان حرب وتحدٍّ لعقولنا، فهل سنسمح لسعادتنا بالسقوط في زحام الأمتعة، بعد أن قضت قرونا معززة مكرمة على عرش الغايات الأسمى؟ الجواب عن هذا السؤال مرآة تعكس الضوء على جوهر المرء ومدى قدرته على عقل الأشياء، فإنّ لكلّ منّا الإمكانيات للتفريق بين الحق والباطل: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَٰرُ وَلَٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} [الحج: ٤٦]. وإنّ قراءة هذه الآية والتدبر فيها يغني عن قراءة جميع الكتب التي تبحث عن أعذار تبرّر اختيار الباطل. لكننا لا نتوقّف عن التنقيب في تفاصيل الأمور عمّا يُنصفنا وما يمتصّ دموع ضمائرنا. وهذا جُبنٌ كبير، لأنّ الوضع يتخطّى كونه زلّة أو غفلة لحظية، فهو عمرٌ -طال أو قَصُر- كافٍ للتفكير والتّفكر. وحيرة الأفئدة وسط المشاعر المتناقضة خير دليل على خطورة الوضع.

مقالات مرتبطة

تنفس!

أولم تلاحظوا أن اليأس يسابق الصبر إلى قلوبنا، وأنّ القدر تطاولت عليه الحظوظُ، وخلف الصّدق تخفّى القبح، والتفتّح تفوح منه رائحة الفسوق. والأسوأ من كلّ ذلك، أن ديننا الذي لا عزّ لنا في غيره غدى مدارا تعبره السّبل المظلمة، بقبح وفي العلن، آخذة منه فقط ما يموّل رحلتها، لا أقلّ ولا أكثر. ولا تعقيب أعظم ممّا قال الله عز وجلّ: {ولَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُون}[البقرة:١٠٢]. لكن، ماذا كنتم تنتظرون أصلا من مجتمع ابتلعته دوّامة التحرر، ولم تترك له سوى منفذا واحدا يُلقيه مباشرة في قبضتي الليبرالية والعلمانية؟ هل كنتم تأملون ألا يَفسد الشعب؟ أم تأملون أن يكون لنا عزّ بعد أن سلّمناه بأيدينا لهم!
لا والله إن الأرض لفسدت، وأصبحت حظيرة بشرية لا تخلو مذابحها يوميا وأبداً من الضحايا. فاليوم، وإن كنّا نرى مساجدا ولله الحمد ملأى، تبعث الأمل، فإنّ الشوارع المجاورة تصطفّ بها الخمّارات والملاهي وبيوت الدعارة، كذلك ملأى، لا تتوقّف عن نفث سُمِّها بجرعات قاتلة. فكيف يطيب مجتمع شُلّت أطرافه وران على جوهره اتّباع الغرب أصمّاً وأبكماً وأعمىً؟

كيف نطيب يا سادة، والطفل فينا أصبح حرّا معذورا في قبحه، والفاسق أصبح حرّا في فسقه وما يدعو إليه، والدّاعي إلى الحقّ ظالمو المطالب به آثم، والإنسان بشكل عام أصبح أسيرا للتحول -أو التخرّب بمعنىً أدقّ-. ولا أقصد هنا، بكلّ تأكيد، التحول الذي يطرأ على القدرات والإمكانيات وتطوّرات الذات الجوهرية، بل التّحولات العشوائية التي يقدم عليها الواحد منا دون اكتراثٍ لقوانين الطبيعة، سواء على مستوى الجسد أو الرّوح. وتفاديا للخوض في تفاصيل هذه الآفة المقززة نوعا ما، أكتفي بالتّسطير بصفتي أخا من إخوانكم في الإسلام على ما نؤمن به جميعا: إنّ الله أنعم علينا بدليل مفصل لمَواطن التعديل المتاحة ونطاق حرّية المرء في نفسه، ألا وهو كتاب الله القرآن الذي يُعدّ آخر بلاغ من الله لعباده وآخر تحديث لرسائله إليهم. لكنّ الناس أشدُّ توقا لبلاغات العباد وخطاباتهم وتغريداتهم، {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِى ٱتَّخَذُوا۟ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ مَهْجُورًا} [الفرقان:٣٠]، ولن أفوت فرصة دعوتكم إلى التدبر في المشهد الذي وصفه الله قبل هذه الآية والتفكّر في عظمته، ستجدون فيه أمنيّات فات الأوان عليها وحقيقة ما بعدها حقيقة.

خاب إذن القوم الذي يتهرّب من دِينِه الحقّ. لأنّ التهرّب منه تهرّب من النّفس والخروج عنه خروج عن الفطرة واستنكار للتّركيبة الطبيعية والوجوديّة. لذلك كفاكم تأويلا وتفسيرا لكلّ آفة بمنطق هذا العصر وحصرها فيه كأن القرآن لم يُنزله ربّ اطلع على ماضينا وقادمنا وسرّنا وعلانيتنا. فإمّا أن تطيع الله في حكمه إيمانا غيبيا بحكمته، وإمّا أن تؤمن -كأي منافق- فقط بما رأى له عقلك المحدود تفسيرا ومنطقا. فأما الإيمان المشروط هذا، فلنا موعد معه جميعا يوم تشخص الأبصار ويدنو العذاب من المنافقين والكفار، يوم يُجاب المتسائلون عن موعده ويُوفّى الظالمون والمنافقون حساباتهم؛ حينئذ سيؤمن الجميع، ستتحقق الشروط التي طالبوا بها لكي يُؤمنوا، وستُصاغ الآيات كما شرطوا أن تُصاغ، لكن [ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ][يونس:٩١].

لكنّهم أحرار في ذلك، وكذلك نحن لسنا مضطرين لاتباع معايير السعادة التي يرسمها هذا العصر وجنوده لنا، لأنّنا لسنا متخلّفين أو همجيين أو جُهّلا، بل نحن أناس أحرار في جلوسنا على الحصير وفي أكلنا دون استخدام الشوكة والسكين وفي حديثنا بلغاتنا الأم دون لغات أوليائهم. وأحرارٌ نحن ومحقّون رغما عنهم في وضع جباهنا على الأرض كلّ يوم مرارا وتكرارا خضوعا لله، وأحرار في إسلامنا واستسلامنا لربّنا. وليعلموا أن ظنونهم فيما يخصنا من الأعمال، وادّعاءاتهم بأنها تخلّف-أو حتّى تطرّف-، لم ولن تغيّر من اعتبارنا لها وكونها هويّتنا الإسلامية وتأشيرتنا إن شاء الله إلى ثوابه. والذي يجهلونه في هذا الخصوص هو أن المؤمن منشغل باستغفار ربّه والتّوبة إليه، منشغل عن الدنيا وعمّا يخوض فيه الخائضون. وإنّ مهمتنا كمسلمين تتمثل في الدعوة للحق بلسان الحال قبل المقال، لا في المجادلة حول السبب الجوهري خلف كلّ حلال وحرام. ولا أجد مثالا أفضل من الجدالات العقيمة حول الحجاب: هل ينفع أم يضر؟ هل فيه ذلّ أم فيه عزّ؟ وهناك من يجادل في الأعظم من ذلك بغير علم. إنّ إيماننا بأن لا إلٰه إلّا الله وأن محمدا رسول الله يكفينا التساؤلَ بعقولنا الصغيرة عن حكمة الله في خلقه. لكنّ خوضهم لا يهم ما دمنا نؤمن أن الله ناصِرُ المُتّقين ومعهم. كما لا تهم الإجراءات المتّخدة من طرف الخلق في شتّى القضايا الدّينية والدّنيوية، لأنّنا موقنون بأنهم لن يقضوا ما يجبرنا على العودة إلى الباطل بعد أن أراد لنا الله الهداية. كما قال السّحرة -بعدما تبين لهم الحق- لفرعون الذي ادّعى الرّبوبية وتوعّدهم بالعذاب الأليم: {فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَٱلدُّنْيَآ} [طه:٧٢].

وفي الختام، وبعد الصلاة والسلام على خير الأنام، أريد أن ألملم أفكار هذا المكتوب، الذي ألقيتُه ككرة ماء ترُشُّ كلّ ما يحيط بها. إنّ قفزي من موضوع إلى آخر، ليس إلا دليلا جديدا على أنّني أحد ضحايا هذا العصر المتناقض الذي يحاول الوقوف على أكثر من حبل في آن واحد. وهذا بالتأكيد لا يغطّي على كوني جاهلا متطاولا على مهمة الخبراء وكون الموضوع بحد ذاته شاملا يحمل في صدره أوراما كثيرة خطيرٌ لمسُها. والخلاصة أنّ موقعنا في مسلسل التاريخ.

1xbet casino siteleri bahis siteleri