عقلية القرد لدينا

377

هل جلست بكل حماسة لإنهاء شيء محدد فإذا بالحماسة تغدر بك وترحل تاركة إياك في ذهول بارد؟ حتى أنك لا تعرف كيف تبخر كل ذلك الإقدام وأصبحت منطويا في داخلك؟ كأن يكون لك حماس كبير لإنهاء إحدى المواد الدراسية فتبدأ بحشد أقلامك وتجهيز كوب القهوة والجو المناسب للدراسة، ولكن ما إن تبدأ بدراسة ثلاث صفحات حتى تجد عقلك بدأ ينبض بعشرات الأفكار الأخرى، وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى تجد نفسك قد بدأت الانخراط في شيء آخر غير الذي أتيت لأجله؟

لماذا يحدث كل هذا؟ أو بالأصح ما الذي يحدث؟ لماذا لا نستطيع الثبات على تفكير موجه لشيء واحد فترة طويلة حتى لو كنا نريد بكامل إرادتنا ورغبتنا ذلك؟ حتى وأنت تدري أن كل ما يتطلبه الأمر هو بضع ساعات من الثبات ولكن مع ذلك لا تستطيع، فلماذا؟ مرحبا بك في ظاهرة عقل القرد: The monkey mind phenomenon

كتعريف سريع لهذه الظاهرة التي بدأت مع البوذية؛ حيث شبهوا تنقلنا السريع والعشوائي بين أفكارنا اليومية بحركة القرد في تنقله بين الأشجار للبحث عن الموز وهو حال البعض حاليا؛ فتجد الشخص يعمل على جلب ندم الماضي وتشتت الحاضر وقلق المستقبل في الوقت نفسه، فيتخذ أحكاما وقرارات عشوائية وبالتالي يفقد السلام الداخلي. هذه الضوضاء الداخلية وكذلك الضوضاء الخارجية التي بدأت في التزايد بسبب الانفجار المدني والمعرفي جعلتنا نعيش بعقلية القرد لهثا وراء المزيد، خوفا من المجهول وعدم الرضا بالموجود ومسايرة لقرود أخرى حولنا.

وعليه، أظن أننا جميعا نمتلك عقلية القرد ومن واجبنا ترويضها خاصة أن لكل شيء علاجا فعلماء العلاج السلوكي المعرفي CBT» Cognitive Behavior Therapy» ومنهم عالمة علم النفس الإكلينيكي Deborah Serani مؤلفة كتاب التعايش مع الاكتئاب، يؤكدون أن علاج الأفكار يكون على مستويين، الأول يتعلق بأفكارك ومساعدتك في تحديدها وكيفية صياغة الكلمات ومدى تأثيرها على سعادتك ثم كيفية إعادة تشكيلها، والمستوى الثاني يقوم على تغيير سلوكك ليتوافق مع أفكارك.

وهناك كتاب جميل في هذا المجال للدكتورة Jennifer Shannon بعنوان لا تُغذِّ عقلية القرد لديك Don’t Feed the Monkey Mind، الذي يساعدك في كيفية منع الأفكار المتقلبة من خلال استخدام العلاج السلوكي المعرفي الفعال (CBT)، وعلاج القبول والالتزام (ACT) وصولا إلى كيفية تحديد الأفكار وتقليل نسبة القلق والمخاوف عبر رباعية جد بسيطة تتمثل في:

  1. التخطيط:

نعم التخطيط الذي يزعج البعض ويعتبره أمرا مثاليا! فيردد مصطلحات لا يعرف أبعادها وعمقها، فيقوم باستدلال وإسقاط خاطئ لها مثل قوله «كله مقدر ومكتوب»، «الأرزاق مقسومة»، وغيرها من المسلمات التي ركبها بعقلية قرد! علينا الإيمان بأنه دون أهداف واضحة وخطة جيدة سيرتفع سقف الطموح والرغبات ويزيد التشتت فتقل نسبة الإنتاجية والرضا ونعيش مثل القرود.

  1. التركيز:

التخطيط قد يعطيك الصورة الكاملة، ولكن الأجزاء الصغيرة لتلك الصورة لا يمكن إدراكها إلا من خلال التركيز والحذر من مشتتات الانتباه، خاصة الإدراكية منها، والتي تكون انتقائية لتلبية حاجات ورغبات الشخص نحو الأسهل والأمتع! والتركيز لا يعني بالضرورة عدم القيام بأعمال أخرى أو توسيع الإدراك لأمور أخرى، بل هو التزام يومي محدد نحو هدف ما له خط زمني واضح حتى لو كان هذا الالتزام 10 دقائق يوميا، وهذا التركيز هو الذي يحقق لنا التخطيط، وهذا التخطيط يبني لنا المستقبل ومعه تقل نسبة القلق من المستقبل.

  1. التأمل:

للوصول إلى السلام الداخلي، يجب ممارسة الصفاء الذهني والتأمل! لذا يجب أن يكون في جدولنا اليومي دقائق لممارسة الصفاء الذهني بأي طريقة تناسبنا، المهم الوصول إلى مرحلة الانعزال البسيط عن العالم المحيط، لأن هذه الممارسة تقلل من عقلية القرد التي نفكر بها حول ما تم اليوم وما سيكون عليه الغد!

  1. الرضا:

المقصود به الرضا بعد العمل، وليس الرضا بلا عمل، فالرضا بلا عمل هو استسلام وانهزام ولا مسؤولية! والرضا الحقيقي هو الذي يأتي بعد الأخذ بجميع الأسباب، ليس محطة نهائية، بل هو رحلة يومية يعيشها الشخص نحو سعيه لتحقيق أهدافه، وبغض النظر عن النتائج قد نصل إلى مرحلة الرضا لأن الذات راضية عن أدائها وعن الصورة الكلية، وتؤمن أنها رحلة لم تنته وغدا تبدأ محاولة جديدة.

ختاما، يعود جذر هذه الظاهرة لأن أسلافنا القدماء كان لهم نمط حياة حركي لا توجد لديهم كتب ليقرؤوها بالساعات أو جرائد ليعتكفوا عليها، لا يوجد لديهم واجبات جامعية أو مسلسلات من عشرات الحلقات؛ حياتهم عبارة عن ركض، وكر، وفر، واصطياد، وهروب، وحذر وسرعة انتباه، عقولهم متكيفة مع ذلك النمط فأتى بعدهم جيل يحمل خواص العقل وجيناته نفسها ولكن بنمط حياة مختلف، أي أننا نحمل بقايا عقولهم التي تكيفت على الهرب والقفز، نحمل هذا العقل ونحن على مكاتبنا وفوق كتبنا وبداخل صفوفنا التي تتطلب ساعات من الجلوس والتفكير!

1xbet casino siteleri bahis siteleri