عنف الملاعب: ما يُزرع في الأحياء الشعبية يحصد في الملاعب

301

تعيدنا الأحداث العدوانية التي حدثت مؤخرا في ملاعب كرة القدم إلى ذكريات اعتقد الناس أنها ولت، خاصة وأن الجماهير الرياضية قاربت السنتين وهي محرومة من حضور المباريات، لكن ما إن أتيحت لهم الفرصة للعودة من جديد حتى بدأ الشغب يعود إلى الواجهة من جديد أيضا، كتب وقيل الكثير عن مظاهر الشغب في الملاعب الرياضية، خاصة إذا ما استحضرنا أن هذه الظاهرة ليست محلية أو عربية فقط، بل قد نطلق عليها من باب التجوز ربما أنها ظاهرة عالمية، وإن كانت مستويات حضورها، وأشكاله تختلف من بلد إلى آخر، غير أن السؤال الذي يظل محيرا، هو ما الدافع الذي يقود الشباب إلى القيام بالشغب؟ ما أسباب هذا الحقد الذي يتجلى في هذه الحروب التي تخوضها الجماهير مع أن الخاسر الوحيد فيها هم أصحابها؟ هل الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة المستعصية على الحل هي أسباب نفسية اجتماعية، أم اقتصادية، أم ربما هي أسباب قد تكون سياسية لم لا؟ كل هذه الأسئلة تظل وجيهة، في ظل غياب دراسات كافية، تشخص الظاهرة.

للعنف والعدوان أسباب كثيرة، تعددت بحسب تعدد أسباب المهتمين بهذا المجال، فكل يفسره بحسب تخصصه، غير أن أبرز النظريات في المجال، ترجع أساب العنف إلى عوامل اجتماعية بالأساس، وخاصة إلى المحيط الصغير الأسرة، والمدرسة والبيئة أو الحي الذي ينشأ فيه الشخص، وبذلك يكون التأكيد على أن العنف وإن كانت له أسباب نفسية، إلا أن العوامل الاجتماعية هي التي تغذي هذه الأسباب فتطفو على السطح، وحينما نتحدث عن العوامل الاجتماعية، نتحدث عن الأسرة بالأساس كمؤسسة اجتماعية، ثم نتحدث عن التعليم، وباقي المؤسسات الاجتماعية الأخرى المكلفة بالتأطير الاجتماعي، مثل مراكز الترفيه، وبعض الأندية الثقافية التي ينبغي أن تكون حاضرة في جميع الأحياء، غير أن الأمر يكون صادما إذا ما تحدثنا عن الأحياء الشعبية، نضرب مثالا بالمغرب، غير أن الأمر لا يقتصر عليه فقط، بل يشمل كل تلك الدول التي تنتمي إلى العالم الثالث، وهي التي تقع في هامش النظام الرأسمالي.

في هذه الدول بدون شك تزداد الهوة بين الطبقات الاجتماعية، بل وأحيانا قد تصل إلى مستويات تكون حادة، وهذا ما يولد الاحتقان الاجتماعي، خاصة إذا ما استحضرنا غياب الدولة عن الأحياء الهامشية الهشة، اقتصاديا واجتماعيا، وبالتالي فهي لا شك ستنتج لنا أفرادا يعانون من مختلف الاضطرابات النفسية، وبالتالي فهم يسعون دوما للتعبير عن ذواتهم في الفضاءات العمومية، بجميع الطرق التي تتاح لهم، وقد يكون ما نراه من حين للآخر، سواء في الاعتداء على الممتلكات العمومية، أو الاعتداء على الأشخاص في الفضاء العام، كلها أشياء يحاول من خلالها الأفراد التعبير عن ذواتهم المقهورة والمظلومة اجتماعيا، وهنا ولا شك يطرح سؤال المسؤولية، من المسؤول عن هذا الوضع، هل هم الأحزاب السياسية، أم المؤسسات التعليمية، أم ترى أن المسؤولية مشتركة بين الجميع.

في روايته نجوم سيدي مومن، حاول الكاتب المغربي ماحي بينبين أن يقارب مسألة هجرة الشباب إلى التطرف، وتبني هذا التوجه، فسلط الضوء على الأحياء الشعبية، والصعوبات التي يعانيها الشباب القاطنون بها، وحاول من خلال ذلك أن يبرهن أن الوضعية الاجتماعية التي كان يعانيها شباب أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء هي المسؤولة عن ظاهرة التطرف التي عرفها المغرب، وأن شباب تلك الأحياء هم الذين قاموا بالتفجيرات التي عرفها المغرب، قام المخرج المغربي نبيل عيوش الذي عاش هو نفسه بأحياء الهامش بفرنسا، بتحويل الرواية إلى فيلم بعنوان خيل الله، وقد يكون الفيلم معبرا أكثر عن مضمون الرواية، غير أن السؤال الذي يبقى مطروحا هنا، من الذي سمح لأولئك الذين استقطبوا هؤلاء الشباب الذين قاموا بالتفجيرات، وأين كانت الدولة من حماية هذه الفئة المهمشة؟ فجواب بينبين أن الوضع الاجتماعي هو المسؤول عن التطرف يبدو غير مقنع، بما فيه الكفاية.
وإن كان بكل تأكيد هو العامل المباشر، فإنه يبقى أنه هناك عاملا آخر غير مباشر، وهو إهمال الجهات المسؤولة لهذه الفئات الاجتماعية، وكأن دورها هو أن تسهر على حماية الفئات الأخرى، غياب التعليم، غياب التأطير، كل هذا مع تزايد الأمراض الاجتماعية، مثل الإدمان، سواء على المواد المخدرة، أو الألعاب التي معظمها ينمي غريزة العنف، خاصة ونحن نعرف مدى إقبال الشباب على ألعاب الفيديو التي غدت ظاهرة اليوم.

مقالات مرتبطة

كل هذا والجهات المسؤولة غير مهتمة لما يحدث داخل هذه الأحياء الشعبية، فحتما هذا الوضع كما انفجر مرات، وفي أماكن متعددة فإنه سينفجر أيضا مرات أخرى، ولن تنفع معه العقوبات الزجرية، ولا المقاربات الأمنية التي تعتبر هي الوسيلة الأسهل للتدخل وإخماد هذا البركان، لأن داء العطب قديم، ومتجذر في عمق المجتمع، وبالتالي فالحل ينبغي أن يكون شاملا وجذريا أيضا، وليس مجرد حلول ترقيعية وقرارات ارتجالية.

يميز المختصون في الميدان بين ثلاثة مصطلحات، العنف، والعداء أو العدوانية ثم، الغضب، غير أنهم يؤكدون أن كلا من العنف أو الغضب لهما حالة معينة، ثم يخمدا، بخلاف العدائية التي تعتبر مرضا، وهي اتجاهات سلبية، تتمثل في الحقد والكراهية، والرغبة في الإيذاء، سواء في إيذاء الذات، مثل ما نرى في حالات الإدمان المتعددة، أو إيذاء الآخر، وهذا ما نراه، من بعض الفئات الهائجة من الشباب، التي تعتدي سواء على الممتلكات العامة، أو المارة بالسرقة، وغيرها من السلوكات المرضية والضد اجتماعية التي نراها في المجتمع، وإذا ما بحثنا فإن غالب متبني هذه السلوكات ينتمون إلى الفئات الهشة في المجتمعات، وإن كانت حتى في الفئات الأخرى فإنها تبقى حاضرة بنسب قليلة.

هناك نظريات كثيرة تفسر ظاهرة العنف أو العدوان، إلا أنني استرعى انتباهي أحد النظريات التي ترى أن العدوان هو نتيجة الإحباط، ولذلك سميت هذه النظرية بنظرية الإحباط، فحسب ما يرى أصحاب هذه النظرية أن العدوان هو مجرد حالة من الإحباط، تحولت إلى نوبات من الغضب والعنف، وبكل تأكيد فإنها ستبقى مكتومة على شكل سلوكات عدوانية، الإحباط هو نتيجة لإخفاق الفرد في تحقيق أهدافه، وبالتالي فإن الأفراد الذين يلجؤون إلى السلوكات العدوانية، هم غالبا أشخاص مقهورون اجتماعيا، أو مخفقون في حياتهم، عاجزون عن تحقيق أحلامهم وطموحاتهم، وذلك بسبب الوضعيات الاجتماعية التي ولدوا فيها ولم يملكوا القدرة على تغييرها، خاصة إذا ما استحضرنا مدى صعوبة الحجر الصحي، الذي -من دون شك- ساهم في تفاقم وضع هذه الفئات، ولذلك نجدهم يستسهلون الصعب والنفيس بغية تغيير واقعهم، ولو أدى ذلك إلى فقدانهم أرواحهم، مثل ما يفعل كثير منهم الذين يتخذون القرار الصعب وهو قرار الهجرة.

لا نستطيع الجزم بأن كل الأفراد الذين قاموا بالشغب أو عادة ما يقومون بهذا الأمر، هم كلهم مقهورون اجتماعيا، حيث إنه قد تكون هناك عوامل أخرى لا يعلم عنها الكاتب شيئا، غير أن ظاهرة الشغب والتي أضحت تتنامى يوما بعد يوم، وخصوصا في البلدان التي تعرف فروقات اجتماعية كبيرة، أو تلك التي تعرف سياسات عنصرية قائمة على التمييز العرقي، كل هذا ينبئ ويؤكد، على أن هذه المجتمعات التي تنتهج هذه السياسة الاقتصادية، أن ما تزرعه في الأحياء الشعبية، من فقر، وتهميش، وتخويف، وتجهيل، ستحصده بكل تأكيد في الفضاءات العامة بمختلف أشكالها، الحل يكمن في تبني سياسية إصلاحية شاملة، بدءا من تسوية أوضاع الفئات الهشة، والفقيرة، أو المعدمة، ثم الاهتمام بشباب هذه الأحياء، بإنشاء مراكز وأندية تقوم بتأطير الشباب، وتكوينهم بغية الاندماج في المجتمع، وليس إهمالهم أو الإلقاء بهم إلى البحار والحروب، والصراعات.

1xbet casino siteleri bahis siteleri