مناجاة ذكرى!

358

ما الذكرى إلا شهاب يومض في دجنة الماضي، لا تتوانى الذاكرة عن بعث رفاته إلى فلك الحاضر. لكل منا ماض معين، ولكل منا نظرة مختلفة لماضينا، تختلف باختلاف ما انصرم من أحداث حياتنا التي تلاشت واختفت وخلفت ذكريات لم يعد لها مكان إلا في ذاكرتنا، غابت عن أنظارنا وظلت أصداؤها تتردد في أذهاننا، نلجأ إليها أحيانا كملاذ خيالي يحمينا مما نكابده في واقعنا، ونهرب منها أحيانا أخرى حين تهدد الصفاء والسكون والطمأنينة التي نصبو إليها في حاضرنا.

مهما بلغ جمال ماضينا، مهما زخر بأحداث أو أحاسيس أو إنجازات مخضرمة، مهما بلغ حنيننا إلى أناس تركوا بصمتهم في ماضينا وكانوا رفقاء أرواحنا وقلوبنا، فلا يوجد للعودة سبيل، عبثا نحاول تغيير أو تجاهل هذه الحقيقة، لكن، لا حيلة لنا أمام حيلة الدهر، الذي يجود علينا بلحظات جميلة ثم يسلبنا إياها يتركنا نموج في سراب أمانينا وشوقنا وذكرياتنا.

قد يحمل الماضي ذكريات أليمة، أحزانا وخيبات ومآسٍ لا تفارقنا، تنخر تفكيرنا وتجعلنا للبؤس والحسرة خلانا، فلا نستطيع نسيانها ونظل عالقين في رمالها المتحركة، لكم نود وأدها ومحوها عن الوجود، لكم نبذل في سبيل نجاتنا من زنزانة أفكارنا وذكرياتنا العاصية، لكم نود إلجام صوت الماضي وإيصاد كل الأبواب المؤدية إليه والبدء من جديد لكن دون جدوى، فلا سلطان لنا على ذاكرتنا أو قلوبنا أو ماضينا.

مقالات مرتبطة

تنفس!

وفي كلتا الحالتين، سواء حملت أيامنا السالفة ذكريات سعيدة أو شقية، فلا تنعم الحياة علينا دائما بإمكانية النسيان والمضي قدما كأن شيئا لم يكن، فلا وجود لجرعة سحرية أو آلة زمنية تعيدنا لأي زمن نريد بكبسة زر، أو مارد يمثل بين أيدينا فيحقق أمانينا، ويأخذنا إلى حيث تهزم الآمال رمال الزمن.

أمام همومنا وأشجاننا ننسى أن الحاضر يلبث مدثرا بأسمال الماضي، ننسى أن لكل لحظة أجل، وأن اليوم سيغدو أمسا مطوقا بهموم فانية كنظيره من الأيام. وبتفكيرنا المستمر وشدة تعلقنا بالماضي لا نلقي بالا للحدود الوهمية التي نرسمها لأنفسنا، ولعظيم الشأن الذي نمنحه ذكرياتنا، ونجعلها خالدة في ذاكرتنا، متمردة على سائر أفكارنا، فنطحن في رحى اليأس واللوعة، عالقين في دوامة الزمن التي تسري بنا بين الماضي والحاضر.

قد لا يكون من اليسير تخطي الماضي، قد لا ينفذ إلى مسامعنا همس المستقبل في خضم الفوضى والضوضاء التي خلقتها الأيام الخوالي بداخلنا؛ ذلك أن سعادتنا الزائلة تعقب التوق والحسرة، أما ذكرياتنا الأليمة فجمرات تذروها رياح الماضي العاتية، تعود لتنفث أنفاسها اللهبية على لظى أرواحنا فتزيدها عذابا، وقودها اليأس والاستسلام للأفكار والمشاعر الدفينة التي تبعث على هيئة وهن وكدر، والإيمان بأن لا فرصة للحاضر والمستقبل أمام عظمة الماضي، والحال أن كل نفس نهدره في تذكر الماضي ونمني النفس بعودته يسلبنا ما تبقى من حياتنا، يسلبنا الحاضر الذي هو طوق نجاتنا من طوفان أفكارنا، ومفتاح الخلاص والتحرر من سجن الماضي، هو الأمل والسنا في سديم شتاتنا، وهو أثمن ما نملك، لأن إمكانية تغييره بين أيدينا، وتشييد لحظات جميلة على أنقاض وأطلال أحزاننا.

إن وضعنا الحاضر نصب أعيننا، وسمحنا لطيور الأمل بأن ترسو على أفئدتنا، سيغدو اليوم أيضا ماضيا جميلا سنرجو عودته، ولن تستطيع ذكرياتنا تكدير صفو حاضرنا، وستصبح آخر الأوراق المتساقطة في خريف حياتنا، لنلج ربيعا يعدنا بالفرص والبدايات الجديدة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri