حرب المصطلحات

290

نعيش في عالم حيث المصطلحات متداخلة ومتشابكة ومعظمها إن لم تكن كلها محرفة من أجل زخرفة وتزيين صورة واقعنا المرير، وحرب المصطلحات لم تبدأ اليوم أو الأمس، بل شهدها العالم قبل سنوات عدة، وهي من بين أخطر الحروب التي باتت تمارس على الأجيال وتستخدمها النخب المتحكمة وذات النفوذ لتحريف المفاهيم وتغيير الرؤى للشعوب حول مختلف القضايا، لتضيع بذلك مجموعة من الحقائق وسط هذه الحرب وتخرج مجموعة من الأمور عن نصابها.

اقتحمت هذه المصطلحات حياتنا لتحل محل مصطلحات أخرى وتغير مدلولها تماما وحملت مدلولا آخر، فباتت معظم المصطلحات التي نستخدمها يذهب معناها في الغموض مذاهب شتى وليس لها معنى جليا وواضحا، واستخدام الفرد لها يجعل منه شخصا متحضرا وذا فكر ثري ومثقفا في نظر البعض، فبدل أن تجسد واقعنا أصبحت نوعا من الموضة وهذا ما يفضي بنا إلى مجتمع مغلوب عليه وثقافة مضطربة؛ إذ بفقداننا لمصطلحاتنا كعرب نفقد كل شيء ونضع مجتمعاتنا على حافة الهاوية إن لم نكن قد سقطنا فيها بالفعل.

ساهم الإعلام وبالخصوص الإعلام الغربي في نقل هذه المصطلحات وزرعها وسط المجتمعات وهذه من بين أكبر مخاطر الإعلام، فداخل كل بيت توجد وسائل إعلام تفرز سمومها داخل الأفراد وهناك رؤوس ثقيلة داخل مراكز الإعلام العالمية هدفها الأساس هو ذيوع هذه المصطلحات في العالم وهذا كله ونحن في سبات. لهذا، فمعركة أو حرب المصطلحات خطيرة جدا وأخطر مما نظن والتي ستؤدي بنا إلى تراجع فكري كبير، واستعارتنا للمفاهيم من الغرب كفيل بأن يفقدنا خصوصيتنا، فبواسطة مفاهيم محرفة ومحوّرة سيتمكن الجهل من التسلل إلينا وبالتالي سيتم تضليلنا وسينشأ جيل ضال فاقد لهويته وثقافته، ولن نخرج من هذا الضلال إلا عندما نقرر أن نوضح كل مفهوم وكل كلمة نتداولها ونضع لها معنى جليا لا يعتريه الالتباس وغير قابل للنقاش مع إدراك أبعاد هذا المصطلح، لذا، علينا أن نعي أهمية المصطلحات التي نستخدمها وأن نقف عند كل مفرد ونبسطه لكي نفهمه.

هناك مسميات عدة اختفت لتظهر مكانها مسميات أخرى مستحدثة على سبيل المثال عبارة “الشرق الأوسط” وقد كانت تسمى قبل “المشرق العربي الإسلامي” وهذا المصطلح المستحدث وضع أثناء الصراع العربي الإسرائيلي والذي يخدم مصالح إسرائيل طبعا لإثبات أحقيتها في فلسطين، كما أطلقت مجموعة من الأسماء ذات الأصل العبري على مناطق فلسطينية وذلك لتزوير تاريخ هذه الدولة، وهذا ما يبين لنا أن هنالك العديد من القضايا خاصة السياسية التي مع تداخل وخلط هذه المفاهيم لا يمكننا فهمها بشكل جيد وسليم، ففي مثل هذه القضايا تستخدم مصطلحات ذات معنى عميق يصعب إدراكه، لذا، وجب علينا الحذر.

أصبح من الضروري جدا توضيح هذه المفاهيم، وهناك الكثير من هذه المصطلحات المستحدثة والتي تعتبر صلبة صعبة الفهم لا يمكن معرفة مغزاها إلا بدراستها على نحو أكاديمي، والتي نغفل عنها ونستعملها بشكل يومي دون وعي بمعناها، ومنه أصبحنا نخلط بين الصواب منها والمستحدث الخاطئ، وهذا الخلط أدى بنا إلى تخلف الأمة العربية، بالرغم من أن الدين الإسلامي كان له اهتمام كبير بتحديد المصطلحات، إلا أن الأمة الإسلامية تناست هذا الأمر وذهبت وراء هذه المصطلحات الجديدة.

لا ينبغي الاستهانة بالمصطلح؛ فهو سلاح فكري له نتائج وخيمة ويمكن أن تنتج عنه تقسيمات في المجتمع أيضا، لذا يجب التمعن جيدا قبل وضعه في السياق، وأن نستخدم مصطلحات تخدمنا لا أعداءنا، وكذلك محاربة كل مصطلح نُحارب به، وأن لا نترك مجالا لتمرير الأفكار المغلوطة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri